د. حسن محمد صالح يكتب: مقتل دبي الشيء بالشيء يذكر

الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل

بداية حياتي الصحفية في ثمانيات القرن الماضي بدات بدارفور(( ومدينة الجنينة)) وقوات الفيلق العربي أو الإسلامي وما أدراك ما قوات الفيلق الإسلامي فهي قوات قوامها ((المعارضة التشادية)) من المنتمين الي اصول عربية في شمال تشاد تتحرك بدعم ليبي من قبل العقيد القذافي عليه رحمة الله وكدت أدفع
حياتي ثمناً لمتابعة هذه الأوضاع الأمنية وأنا بجريدة (الأسبوع) التي أوفدتني إلى غرب دارفور للوقوف على الأنباء الواردة من هناك وقيام الجيش السوداني بأسر عناصر من قوات المعارضة القادمة من ليبيا وبالفعل طرت إلى الجنينة ومنها إلى الداخل التشادي ثم العودة بواسطة ضباط جمارك سودانيين
نصحوني بالرجوع من أدري إلى الجنينة وكان محافظ شمال دارفور هو (( الراحل الإداري الفذ عبد الحفيظ عمر عبد الحفيظ)) . الوضع الأمني كان مضطرباً على أيام حكومة السيد الصادق المهدي ((الديمقراطية الثالثة)) والقوات المسلحة صدت هجوماً كبيراً من الجارة تشاد من على مشارف مطار الجنينة
((في تلك الأيام)) وكان التشاديون يتهمون الحكومة السودانية بدعم هجمات المعارضة المدعومة من الزعيم الليبي الراحل العقيد معمر القذافي وتسهيل مهمتها في غزو تشاد . أثناء وجودي بالجنينة جاء وفد من تشاد وإجتمع بالمحافظ ((فقد كانوا مجموعة من الرجال في زي بدوي بسيط يضعون السكين على
ضرعاتهم)) ويعتقد أنهم من أثنية القرعان في دولة تشاد التي ينتمي لها الرئيس التشادي يومها حسين حبري. وجدت المعارضة السودانية في الأخبار التي أرسلتها للصحيفة من ((غرب دارفور)) فرصة للهجوم على الحكومة ورئيس الوزراء السيد الصادق المهدي وبالأخص من قبل الجبهة الإسلامية القومية
والحزب الإتحادي الديمقراطي الذي يبني موقفه على الموقف المصري المعارض للتدخل الليبي في تشاد. في وقت لاحق من عام ١٩٨٩م تعرفت على سفير تشاد بالخرطوم عباس كوني(( الذي تم إغتياله في تشاد)) في ظروف غامضة على إثر خلافه مع حكومة الراحل إدريس دبي التي شغل فيها كوني
عدة مواقع وأجريت حواراً معه بصفته سفيراً لبلاده في الخرطوم (( جلب على ذلك الحوار الصحفي)) غضب السيد وزير الداخلية ونائب رئيس حزب الأمة مبارك الفاضل عندما إتصل وزير الداخلية برئيس تحرير صحيفة السوداني ومالكها وعلمت من أحد الزملاء بالصحيفة أنه قد تقرر فصلي لأن الحوار
مع السفير التشادي ((يومها)) تضمن هجوماً على حزب الأمة الحاكم آنئذ وعلاقته بليبيا (( مما أغضب علي المسؤولين)) وكانت الاستجابة من الناشر حاضرة لإرتباط مصلحته بالرجل المتنفذ السيد مبارك الفاضل ولكن مهنيتي غلبت علي فأجريت حواراً مع السفير الليبي بالخرطوم الراحل ((جمعة الفزاني))
لكي يرد على ما جاء في حواري مع السفير التشادي وبالفعل فند الفزاني إتهامات الجانب التشادي لحكومته وللنظام الليبي وهاجم التشاديين.. ولم تشفع لي تلك المقابلة التي تؤكد خلو صحيفتي من أي غرض غير خدمة الحقيقة وطاف طائف الإنقاذ على القوم وإنتهت علاقتنا بصحيفة (السوداني) عند ذلك الحد.
ولكن العلاقة بالملفين الليبي والتشادي لم تنقطع وقد هيأت لي الصدفة أن أكشف للرأي العام السوداني التغيير الذي حدث في تشاد وحكومة ديسمبر من العام ١٩٩٠م برئاسة إدريس دبي((١٨ يونيو ١٩٥٢م – ١٩ أبريل ٢٠٢١م)) التي أطلقت على نفسها ثورة الإنقاذ الوطني في تشاد ((تيمنا بثورة الإنقاذ
الوطني في السودان)) و من على صفحات جريدة (الإنقاذ الوطني) علم الناس بما جرى في ليبيا فقد كنت في زيارة لمنزل الدكتور حسن الترابي عليه رحمة الله وطلب مني أن أذهب إلى شقة في مدينة بحري ((كافوري)) وسأجد شخصاً يطلعني على ما جرى في تشاد ((في تلك الأيام)) وكان هناك تعتيماً
إعلامياً من قبل الإذاعات ووكالات الأنباء ((الغربية)) على ما حدث في تشاد من تغيير ووجدت الشخص كأنه ينتظرني وحدثني عما حدث في تشاد بالتفصيل وكان الخبر الرئيسي بالصحيفة(( مانشيت)). وما رشح من معلومات ((فيما بعد)) أن السودان قد خير الراحل دبي بين الهجوم واستلام السلطة وبين
مغادرة البلاد لكون النظام الحاكم في تشاد كان يتهم نظام الإنقاذ(( الوليد)) بدعم المعارضة ضده مما سبب له حرجاً وبالفعل تقدمت المعارضة وبدعم سوداني ((نوعي)) واستلمت السلطة في الجارة الغربية للسودان. وبعد أسبوعين بالتمام والكمال حضر وفد تشادي للخرطوم يقوده وزير الخارجية الشاب علي
عبد الله ((والذي إختفي عن المسرح في تشاد في وقت وجيز )) ونزل الوفد بفندق الهلتون بالخرطوم وحضرنا وزميلي(( المصور القدير مولا)) للفندق وسلمنا على رئيس الوفد الذي طلب منا أن نذهب معهم لمنزل السيد بابكر نهار عليه رحمة الله بمدينة الثورة الحارة الأولى وكان منزلاً متواضعاً وأدى
الجميع صلاة العشاء وشعرنا أننا غير مرحب بنا من قبل المضيفين من السودانيين ونسبةً لوجودنا وإصرارنا على البقاء تحدث الحضور بالرطانة الزغاوية وفي الختام دعوا الله أن ينصرهم وكان ذلك باللغة العربية والسيد بابكر نهار ((أحد اعيان قبيلة الزغاوة وأقطاب حزب الأمة)) . ولم نتمكن من إجراء
المقابلة بالمنزل وتحرك الوفد عائداً إلى الفندق من جديد وتحركنا معهم. وأثناء وجودنا معهم داخل السيارة(( المرسيدس)) المخصصة لهم من رئاسة الجمهورية السودانية شن أحدهم هجوماً عنيفاً على الإعلام السوداني وموقفه من حكومتهم ومن دولتهم(( تشاد)) وحاولت الدفاع عن الصحافة السودانية وبررت
ذلك لغياب المعلومات وضعف التواصل وعندما وصلنا إلى الفندق تبقت ساعتان على سفر وزير الخارجية التشادي إلى الرياض بالمملكة العربية السعودية ((المقرر لها الخامسة فجراً)) وقد أجرى الوزير معي وزميلي الحوار وكان مما قاله: إن تشاد تريد أن تنفتح على العالم العربي والمملكة العربية السعودية
على وجه الخصوص وتريد من السودان أن يساعد تشاد في هذا الأمر. وقال في ذلك الحوار : إن تشاد دولة إسلامية ولكن ليس لها سفارة في الرياض ولا في أي من دول الخليج العربي وكان سفره كوزير خارجية تشادي للسعودية لهذا الغرض . ولا أحد ينكر الجهود التي بذلتها حكومة الرئيس دبي في هذا
الصدد وظلت العلاقة مع السودان (( جيدة)) رغم التوترات والخلافات والإتهامات من هنا وهناك وكان الرئيس التشادي الراحل لا يغيب عن الخرطوم واستطاع ان يحتفظ بعلاقته مع المعارضين الدارفوريين في حركتي العدل والمساواة وتحرير السودان جناح مني أركو مناوي ((المحسوبتين على قبيلتة ((
الزغاوة)) وبين النظام السوداني السابق الذي في ظن الكثيرين أنه إحتفظ بعلاقة دبلماسية وأمنية مع نظام الرئيس دبي عبر ما عرف بالقوات السودانية والتشادية المشتركة وغيرها من التدابير. وحدث تبايناً ظاهراً بين الخرطوم وأنجمينا فيما يتعلق بالموقف من(( ثورة الربيع العربي في ليبيا)) والتي وجدت
معارضة التشاديين عندما وقفت الحكومة التشادية وعدد من الحكومات الإفريقية إلى جانب العقيد القذافي. في حين دعم السودانيون المعارضة الليبية بقيادة ثوار ليبيا. ومن المفارقات أن يكون اللواء المتقاعد بالجيش الليبي خليفة حفتر هو الداعم للمعارضة التشادية ضد حكومة إدريس دبي لدرجة الإغتيال
والهجوم على العاصمة أنجمينا وهو في ذات الوقت ضد حكومة الثوار في ليبيا التي هاجمها الرئيس ديبي وكان يتهم الثوار بالعمل ضد بلاده وأيواء المعارضين التشاديين لحكومته ثم تحالف مع حفتر . ومن هذا الباب الذي كان يريد الرئيس التشادي(( المقتول)) سده جاءت الريح بما لا تشتهي السفن ومن قبل
حليفه ((حفتر)) تم الهجوم عليه وحفترهذا(( لا يفرق بين الصديق و العدو)) بدليل أنه يدعم بعض أطراف المعارضة التشادية لحكومة الرئيس الراحل دبي ((كما أظهرت الأحداث الأخيرة في تشاد)) وهذا هو الخطر الأول على دبي وحكومته وهو خطر إقليمي وداخلي في ذات الوقت. أما الخطر الثاني على
تشاد هو ما يعرف عند الفلاسفة بالمرحلة ((البدوية)) من العمران كما يقول إبن خلدون في مقدمته هذه المرحلة تعتبر من أسباب تلاشي الملك والسلطان وهذه هي مشكلة تشاد وغيرها من البلاد الإفريقية والعربية ولا مجال للاسهاب في هذه الحالة لضيق مساحة المقال . ثم أخيراً : الاستعمار الفرنسي الذي لم
يزل يصر على أن يشوي للتشاديين زبدتهم كما يقول المثل و هو الذي حال بين تشاد والتطور السياسي المطلوب والذي بدأ مع وصول الرئيس دبي للسلطة وقولته المشهورة للتشاديين لم آت لكم بالذهب ولا بالمال ولكن جئتكم بالديمقراطية ولم تذق الجارة تشاد على يد فرنسا غير طعم العنف والصراع على
السلطة وإذا نظرنا للمتصارعين نجدهم جميعاً حلفاء لباريس بما فيهم حفتر ومن يدعمهم. جميعهم(( تحركهم فرنسا)) كما تحرك رقاع الشطرنج وترجح بهم كفتها وكفة مصالحها السياسية والإقتصادية وآخرها النفط الذي استخرجته الشركات الصينية وكان السبب في غضب الفرنسيين على حكومة الرئيس
الراحل إدريس دبي كما قال المتخصص في الشأن الإفريقي بروفسير حسن مكي محمد أحمد..وقد أدت كل هذه العوامل لمقتل الرئيس دبي وغيابه عن المشهد وإتساع دائرة العنف لتعود الأوضاع كما كانت عليه قبل عام 1990م ((ووصول دبي للسلطة)) وقد تم الآن وبواسطة العسكر الجدد(( إلغاء
الدستور التشادي وحل البرلمان وتكوين الجيش مجلساً عسكرياً إنتقالياً بقيادة نجل الرئيس)) ولكن المعارضة التي هللت لمقتل دبي ووصفته بالدكتاتور لم تعترف بالمجلس العسكري ((الإنتقالي)) الجديد وهددت بالهجوم على العاصمة لإستلام السلطة بالقوة. تشاد اليوم تحت رحمة فرنسا ومن تريد وجوده في
السلطة هو الذي يجد دعم باريس ويتقلد ولكن تحت سمع ماكرون وبصره ولو كان في الظاهر هو المتغلب علي خصمه. و مما يبشر بخير في تشاد أن الشعب التشادي بلغ رشده وصارت هناك قوى سياسية تشادية فاعلة على الأرض ومن يدري لعل شعب تشاد(( يغلب الموازين)) على الاستعمار ووكلائه في
المنطقة.

The post د. حسن محمد صالح يكتب: مقتل دبي الشيء بالشيء يذكر appeared first on الانتباهة أون لاين.



source https://alintibaha.net/online/73883/

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فيديو.. إنقاذ طفل سقط على قضبان قطار ولحظة فارقة بين الحياة والموت

تفاصيل قطع الطريق أمام البصات السفرية بين القضارف و ودمدني

تطبيق زيادات جديدة في أسعار الوقود بالسودان