د. حيدر معتصم يكتب: حوارات حول الأفكار…(64) 

الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل

             إلى عقلاء المجتمع

          حينما كنا صغارا كنا كثيراً ما نتخاصم و نتعارك أفرادا و جماعات و كان لهذا التخاصم و التعارك فنون و أساليب و رواد و بالطبع  معجبين و غالبا ما يبدأ العراك بالملاسنات و الكلام، و كما هو متعارف عليه فإن العراك أوله كلام، و في كثير من الأحيان حينما يبدأ الكلام غالبا ما يأتي أحد الرواد و يضع حداً فاصلا (شخيط) بين المُتَخاصمَين المتلاسنين و يبدأ في إستفزاز الطرفين (المديدة حرقتني) للدخول في العراك و كثيرا ما يجد هذا الرائد تشجيعا من آخرين من الرواد و الجمهور  فيؤدي ذلك تلقائيا لإستعجال إستجابة الطرفين للإستفزاز  المستمر ليتحول بعده الكلام إلى معركة حامية الوطيس و غالبا ما ينجلي غبار المعركة بغالب و مغلوب فيعود  الغالب بالتصفيق والثناء و يعود المغلوب بالشماتة و البكاء و يأتي غداً لتبدأ المعركة أو المعارك من جديد و يتحول المغلوب إلى غالب و الغالب إلى مغلوب و هكذا يستمر العراك إلى مالانهاية و ما أكثر المتخاصمين و المتعاركين و ما أكثر الرواد و المشجعين .. لم أجد وصفاً بليغا يجسد حال السياسة و السياسيين و الجمهور في بلادي بدقة متناهية و على مدى عقود طويلة  أكثر من هذا العبث الطفولي…
إن أُس البلاء في السياسة السودانية هو التكلس و الجمود الفكري و الإعتماد كُليةً علي قوالب من الافكار البالية الموروثة التي تتعامل مع قشور و هوامش الأزمة و لا تلامس جوهر المشكلات، وأكثر ما يعوق التطور في الحياة السياسية و الإجتماعية والإقتصادية و الأمنية في السودان ليست المشاكل نفسها و إنما تكمن المعضلة أصالةً في مناهج البحث عن حلول لتلك المشاكل و دائما ما تكون لكل مشكلة من تلك المشاكل أقوال مأثورة موروثة من أجيال سابقة  تتعامل معها الأجيال اللاحقة كحقائق لا يأتيها الباطل من بين يديها، و لذلك تظل الحقيقة الماثلة أن لا خروج من أزماتنا المركبة و المزمنة إلا بالبحث بجدية عن حلول جديدة و مبتكرة خارج صندوق الحلول الموروثة و البحث عن تصورات و أفكار جديدة قادرة على إيجاد حلول حقيقية و غير معلبة…
على سبيل المثال حينما نتحدث عن مشكلة الممارسة السياسية في السودان غالبا ما يتحدث الناس في المنابر الإعلامية  عن ضرورة إصلاح الأحزاب و عن حلول مرتبطة بعمليات إصلاحية خاصة بالهياكل التنظيمية و النظم الإدارية المتعلقة بإنتخاب القيادة و غيرها من الإجراءات الروتينية الدورية دون النظر بعمق و التأكيد على أن مشكلة الأحزاب السودانية  هي مشكلة فلسفية مرتبطة بالاسس الفكرية  التي قامت عليها تلك الأحزاب التي لايمكن حلها بالإصلاح و إنما بإعادة التأسيس على مستوى التصورات و الرؤى و الأفكار و لذلك يظل الحديث عن إصلاح الأحزاب حديثاً فارغا لن يؤدي إلى حلول لأن الأحزاب نفسها ليست جُزراً معزولة ليتم إصلاحها بعيداً عن الكل و إنما هى جزء أصيل من هيكل الدولة و لذلك لايمكن إصلاحها بمعزل عن بقية موسسات الدولة الأخرى ممثلة في مؤسسات المجتمع المدني و مؤسسات السلطة المدنية و لايمكن إصلاح الأحزاب دون إصلاح قواعد تلك الأحزاب الممثلة في المجتمع المدني و لذلك فإن الحديث عن الإصلاح هو حديث تنقصه الدقة و لا يمكن أن يُحدد أين تكمن المشكلة  بشكل دقيق، أضف إلى ذلك أن الأحزاب لم تعد هي الأحزاب كسابق عهدها بعد أن تفرقت أيدي سبأ و تشظت و تحولت إلى تيارات متشاكسة و منقسمة على نفسها على مستوى التصورات و الرؤى و الأفكار الأساسية المرتبطة بشكل جوهري بتأسيس الدولة فما بين التيار التوافقي المؤمن بالشراكة السياسية و قبول الآخر و التيار الإستئصالي الذي يريد أن يسحق الآخر بعد المشرقين وبين هذين التيارين أيضاً كثير من الإقصائيين والوصولبين و أصحاب الطموحات الشخصية و كثير من الخونة المرتبطين بأجندات خارجية إقليمية و دولية و عطفا على ذلك لم تعد التصنيفات السياسية القديمة المبنية على اليمين و اليسار و الوسط  لم تعد ذات جدوى و فعالية و إذا كنا جادين في عملية الإصلاح السياسي و إعادة تأسيسها على قواعد من المشتركات الوطنية لابد من إعادة ضبط المصنع و تصنيف الناس وفقاً لمدي قربهم و إيمانهم  بمبدأ الشراكة السياسية و قبول الآخر و ضرب و محاربة فكرة التيارات الإستئصالية التي تضم في أحشائها و الوصولبين و العملاء و العمل على تحييد التيارات الإقصائية لصالح التيار التوافقي.
إذا كان رفضنا للإنقاذ قائما على رفضنا  لسيطرة التيار الرادكالي الإستئصالي وسط الإسلاميين على السلطة و على إصرار هذا التيار  على فرض المنهج الإسلامي إتفقنا أو إختلفنا معه عن طريق القوة العسكرية فماذا فعلت الثورة إذا عادت بنا إلى نفس المربع بسيطرة التيار الرادكالي اليساري و ما يجري من  محاولات لفرض المنهج العلماني عن طريق سطوة و هيمنة المجتمع الدولي و إستغفال القوى الثورية الوطنية وسط الجماهير بأساليب لا تقل وضاعة عما كان يفعله الإسلاميين.
ختاماً إن معركة بناء الدولة تبدأ بإعادة تصنيف الناس على أسس توافقية مؤمنة بالشراكة السياسية و على أسس وطنية خالصة و ليس كما كان سابقا على أسس أيدلوجية أو طائفية أو جهوية أو عرقية أو غيرها و التيار التوافقي ليس حكراً على حزب من الأحزاب التي كشفت الثورة إنتهاء صلاحيتها فالتوافقيون المؤمنون بالشراكة السياسية و قبول الآخر بعضهم يساريون و بعضهم إسلاميون و بعضهم ليبراليون و بعضهم طائفيون و بعضهم مستقلون، و لأن بناء التيار التوافقي لا يمكن أن يأتي من فراغ فلا بد من تصدى كتلة صماء من عقلاء المجتمع لمهمة بناء هذا التيار و حينها فقط سنكتشف أن التيار الإستئصالي لا يساوي شيئاً و أن التيار التوافقي هو الغالب و هو الأكثر قبولاً في الساحة…. نواصل.

The post  د. حيدر معتصم يكتب: حوارات حول الأفكار…(64)  appeared first on الانتباهة أون لاين.



source https://alintibaha.net/online/79232/

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فيديو.. إنقاذ طفل سقط على قضبان قطار ولحظة فارقة بين الحياة والموت

تفاصيل قطع الطريق أمام البصات السفرية بين القضارف و ودمدني

تطبيق زيادات جديدة في أسعار الوقود بالسودان