أبو جن يكتب: من أجل سلام عادل وشامل ودائم في السودان (8)

الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل

بقلم د. منصور يوسف العجب أبو جن/ وزير الدولة بالخارجية الأسبق

مواصلةً لما انقطع في الجزء السابع من سلسلة هذه المقالات أقول أن المجاعات تتنوع في الأشكال التالية:
(أ) الرعوية: والتي تؤثر على أصحاب المواشي، وتتمثل أسبابها في المدى القصير ، في الجفاف وما ينتج عنه من فقدان للمرعى والمياه للحيوانات. اما أسبابها طويلة المدى فتتمثل في الضغط على الرقع الرعوية لصالح الزراعة الكبيرة والحد من حركة الرعاة بتضييق المسارات. هذا النوع يظهر ببطء، ونسبة لحركة الرعاة يغطي مساحات واسعة ولكنه في الغالب لا يلاحظ خارج المناطق الرعوية ، كما من المحتمل ان يطول جداً. وتمثل الاستراتيجيات المتكاملة دوراً أهم من عمليات الإغاثة في علاجه. ويتطلب التجاوب معه بالإضافة لتوزيع الاغاثات، شراء الحيوانات بأسعار مضمونة (guaranteed prices) مع توفير التسليف اللازم.
ب) الزراعية والرقعات الصغيرة: والتي تؤثر على السكان الزراعيين المبعثرين. ويرتبط هذا النوع بفشل الإنتاج الزراعي الناتج الى حد ما من الجفاف ولكن اسبابه الأعمق ترتبط بالحرمان من الأرض والعلاقات الاقتصادية المجحفة ذات الطابع الاستغلالي. هذا النوع من المجاعات يظهر ايضا ببطء وعادة ما يكون محصوراً محلياً ولكن انواعه الحادة تتمثل في تداخل المجاعات المحلية وانعدام القدرة في كل محلية منها على مساعدة جيرانها. وفي الغالب لهذا النوع من المجاعات مركز (epicenter ) تنبعث منه الإشارات لارتفاع الأسعار وهجرة المتضررين. وتوضح التجارب بانه ما عدا المجاعات الزراعية الحادة لا يظهر هذا النوع خارج المنطقة المتأثرة. ودرؤها يتطلب التركيز على وضع الحلول الاستراتيجية المتكاملة لعلاجها والتي تعتبر اكثر أهمية من عمليات الإغاثة. كما انه من المهم تبني البرامج والسياسات للحفاظ على الأرض واعادة ترتيب المناطق لتخزين الغذاء قبل حدوث المجاعة لمنعها، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير الإغاثة الغذائية ومشاريع الإغاثة المرتبطة بالعمل (labour based relief project) لتخفيف آثارها.
ج) المجاعات ذات الأساس الطبقي او الوظيفي (class based occupational famines). اكثر الجماعات تأثرا بها هم العمال بالأجر (wage labourers) والحرفيين، وصيادي الأسماك والمهمشين بالمدن. ووقوعها سريع مع اتساع رقعتها، ولكن بصورة انتقائية تؤثر على مجموعات محددة. وتظهر بصورة واضحة نسبة لاندفاع المتأثرين للمدن ولمعاناة سكان المدن أنفسهم. وعادة ما تجد الاهتمام السياسي لقربها من المركز ولتسليط الضوء عليها إعلاميا . ويمثل تدخل الدولة الهام جدا لمواجهتها اكثر فاعلية من غيره. كما تعتبر إجراءات السيطرة على أسعار المحاصيل وإنشاء المشاريع لضمان التوظيف (employment guarantee) اكثر الإجراءات فاعلية لمواجهتها.
د) مجاعات الحروب : وترتبط بالانهيار المؤلم لسبل العيش والناتج عن تدمير الأساس المادي له ومصادره او نهب الممتلكات، وفرض القيود المتشددة على الحركة والنشاط الاقتصادي. طبيعة هذا النوع من المجاعات تعتمد على طبيعة الحرب وإصرار الأطراف المتحاربة على مواصلة خططهم الهادفة لخلق المجاعة. هذا النوع من المجاعات يمكن ان يحدث بسرعة او يأخذ سنينا طويلة ليتطور ، خاصة بالمجتمعات التي ليست هي عرضة للمجاعات. كما انه من الممكن ان يكون محصورا محليا او مغطيا لمساحات واسعة. وعادة ما تصطدم البرامج المعدة لمواجهته برفض المتحاربين على تطبيقها، مما يجعل المتأثرين بها يعتمدون اعتمادا كليا على الإغاثة. وفي بعض الحالات لا تظهر هذه المجاعات لإصرار المتحاربين على إبقاءها بهذه الصورة المستترة.
من المهم ان نوضح ان العديد من المجاعات تتداخل فيها كل هذه الانواع.
في هذا الخصوص يعتبر الكثيرون غياب النظم الديمقراطية، وكما يذكرنا بروفيسور أمارتا سن ، الهندي الأصل ، والأستاذ بجامعة كمبردج البريطانية ، والحائر على جائزة نوبل في الاقتصاد، بأنها تفاقم من هذه الأوضاع. يقول سن” ان النظم الديمقراطية المتسمة بالنظم السياسية المتعددة لا تحدث بها مجاعات. وذلك لان المناخ الديمقراطي يوفر الفرصة للمواطنين ليمارسوا ضغوطا على حكامهم ليتجنبوا الأزمة في الغذاء من الوصول الى مرحلة المجاعة. في نظره المجاعات ترتبط بفقدان الدخل لشراء الغذاء وليس كما كان يعتقد لفقدان الغذاء. وعليه يعتقد ان زيادة دخول الفقراء واتساع فرصهم هو أنجع السبل لمحاربة الجوع “. (راجع Sen, A.K., poverty and famine أكسفورد عام 1981 ).
السؤال الذي يطرح نفسه هل هذه الشروط موجودة بالسودان في ظل السيطرة السياسية الأحادية، واحتكار المواقع الاقتصادية ، وممارسة زعزعة المجتمعات ، وطرد الخبرات المؤهلة من الخدمة المدنية والقوات النظامية؟
ان مواجهة ومنع المجاعات يتطلب العديد من الإجراءات السياسية الفاعلة التي تستهدف تعبئة الإمكانات والتي من أهمها:
أ‌) الاستجابة الفورية لخطر المجاعة وذلك من خلال نظم الإنذار المبكر والعزيمة السياسية.
ب) خلق الآليات الفاعلة ضد المجاعات. فالعزيمة السياسية لمنع حدوث المجاعات على
الرغم من اهميتها، لا تكفي بمفردها. فلابد من تأكيدها ودعمها بالسياسات الاقتصادية السليمة التي تتصدى لاسباب المجاعات والتي تتكامل مع السياسات السليمة للتغذية، وللصحة العامة، وللزراعة، وللحفاظ على البيئة وللهجرة والنزوح. كل هذه تتطلب استثمارا في المعرفة والخبرات الفنية.
ج‌) توعية الجماهير وتعبئتها سياسيا لمواجهة خطر المجاعة من خلال وسائل الاعلام والمؤسسات التشريعية.
د‌) التأكد من ضرورة حماية كل المواطنين من المجاعة كحق انساني اساسي.
هـ) فرض المحاسبة بتحديد المسئولية في المجاعات من خلال المحاسبة البرلمانية والحزبية والحكومية، والمحاسبة الديمقراطية الواسعة المتمثلة في الرأي العام والصحف، والمحاسبة القانونية فيما يتعلق بعدم الاستجابة الفورية لمواجهة المجاعات ومنها سن القوانين التي تجرم المسئولين عن خلق بعض الاشكال من المجاعات، والمحاسبة المهنية للمسئولين الحكوميين، وموظفي الصحة، والمخططين والمدراء والتقييم الدوري لنظم مواجهة المجاعات نفسها.
التكلفة المالية الباهظة للنزاعات المسلحة وأجهزة الأمن ورئاسة الجمهورية، عملت على إهدار الموارد. لقد وصلت تكاليف الأجهزة الأمنية لمعدلات خطيرة حيث بلغت في عام 1997 حوالي 50% من الإنفاق العام للدولة، وسجل الصرف على رئاسة الجمهورية ارتفاعا بمعدل 94.4% عام 1997 مقارنة بعام 1996 ، ( راجع : العرض الإقتصادي السنوي لوزارة المالي ).
التكلفة الاقتصادية والاجتماعية العالية للنزاعات: تكلفة الحرب كما ذكرنا سابقا تقدر بمليون دولار في اليوم ، أي ما يعادل كل الدخل من البترول. وهذه التقديرات قبل نشوء النزاعات بغرب السودان.
كما للنزاعات ايضا تكلفة اجتماعية ومادية باهظة والتي يمكن تحديدها في الاتي:
تحويل الموارد المادية لجبهات القتال.
تحويل القوة البشرية لجبهات القتال ايضا.
مصادرة وسلب ونهب الغذاء بواسطة المتحاربين.
تدمير ونهب العناصر الهامة لانتاج الغذاء وتخزينه، بما في ذلك الحيوانات والمزارع والبذور. تضييق الرقع الزراعية نسبة للالغام ، وتقليل المياه الصالحة للشرب بتسميم الآبار.
حظر ترحيل الغذاء.
منع النشاطات الهامة لبقاء الإنسان في مناطق العمليات كتسويق مواشيهم، والنزوح للعمل، والبحث عن الأغذية البرية ، وصيد الأسماك، والتجارة الخ…
تدمير نظم التسويق بواسطة الرقابة والإجراءات المتشددة، وخطر الهجوم على الأسواق والتجار.
التهجير القسري للسكان المدنيين.
حظر المساعدات وسرقتها.
غرس ثقافة العنف مما يعقد عملية فض وادارة النزاعات.
اضعاف الدولة السودانية بتدمير الموارد مما يخلق الارضية المواتية للتدخلات الخارجية والمناورات السياسية الهدامة.
هجرة العقول والعمالة الماهرة للخارج.
تدمير الفوائض الاقتصادية الحقيقية والكامنة.
تهديد الوحدة الوطنية.
فقدان التعليم بالنسبة للشباب في مناطق العمليات العسكرية.
اضعاف قدرة المواطنيين على مواجهة الكوارث الطبيعية والتعامل معها على اساس التقاليد والمعارف المتراكمة.
اعادة توزيع الموارد والدخول لصالح الاثرياء وتجار الحرب مما عمق من التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية وفاقمت من الحساسيات الاثنية.
انتشار مرض الإيدز وسط المحاربين.
الانتهاكات المتزايدة لحقوق الانسان واثارها السلبية على حياة المواطنين.

The post أبو جن يكتب: من أجل سلام عادل وشامل ودائم في السودان (8) appeared first on الانتباهة أون لاين.



source https://alintibaha.net/online/79230/

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فيديو.. إنقاذ طفل سقط على قضبان قطار ولحظة فارقة بين الحياة والموت

تفاصيل قطع الطريق أمام البصات السفرية بين القضارف و ودمدني

تطبيق زيادات جديدة في أسعار الوقود بالسودان