إصلاح القطاعين الأمني والعسكري.. تحديات في طريق المبادرة
الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل
الخرطوم: أحمد طه صديق
ربما تعتبر قضية إصلاح القطاع الأمني التي نادى بها د. عبد الله حمدوك رئيس الوزراء في مبادرته للقوى السياسية والعسكرية، من أهم القضايا المطروحة، وتمثل أكبر التحديات والمصاعب التي تواجه الفترة الانتقالية ومسار التحول الديمقراطي.
وسبق أن تناول حمدوك هذه القضية عدة مرات، لكنه هذه المرة بدا أكثر عزماً وإفصاحاً، ففي خطابه الذي ألقاه في الثالث من يونيو الماضي أشار إلى أهمية الإصلاح الأمني، حيث أشار إلى حالة الفوضى التفلتات الأمنية التي انتظمت البلاد بشكل مقلق.
واعتبر حمدوك في مبادرته أن قضية الإصلاح الأمني والعسكري قضية وطنية شاملة لا تقتصر على العسكريين، ووصفها أنها، قضية (مفتاحية لكل قضايا الانتقال، وبدونها لا يمكن حل قضايا الاقتصاد والعدالة الانتقالية وبناء الدولة المدنية)، فالمعروف إن الاقتصاد عانى من إشكالات عديدة تمثلت في المضاربة بالعملات الصعبة وكذلك الاحتكار وتهريب السلع والصادرات، وكلها قضايا تتعلق بالبعد الأمني وتمثل العمود الفقري للاقتصاد السوداني المنهك، كما أن تحقيق العدالة الانتقالية فضلاً عن أنه يلبي أشواق وتطلعات الثوار لكنه أيضاً يعمل على قص أجنحة مخططات النظام السابق، كما خلص حمدوك الى أن الطريق يتمثل في ضرورة توحيد الجيش الوطني وفق إصلاحات هيكلية وعقيدة عسكرية جديدة وتمثيل التنوع السوداني في كافة مستوياتها، وتنفيذ اتفاق الترتيبات الأمنية الوارد في اتفاق جوبا لسلام السودان، ويرى المتابعون للشأن الأمني أن وحدة الجيش السوداني والعمل على إحداث التنوع المتوازن من شأنه أن يعمل على استقرار المنظومة العسكرية ويقضي على النزعات القبلية والعنصرية والمرارات التاريخية،
كما أن تطبيق الترتيبات الأمنية يمثل إنفاذاً لاتفاقية السلام بجوبا، غير أنه يواجه بعقبات عديدة منها الجانب الاقتصادي والإجرائي المعقد.
وعن قوات الدعم السريع أشار إلى أن دمجها في القوات المسلحة يتطلب توافقاً بين قيادة القوات المسلحة والدعم السريع والحكومة للوصول لخريطة طريق متفق عليها تخاطب القضية بكل أبعادها.
والملاحظ أن حمدوك هنا لجأ للحل الوفاقي، في حين أن مكونات الثورة تطالب بدمج هذه القوات وفق الوثيقة الدستورية التي تحدثت عن ضرورة وجود جيش واحد، وربما آثر حمدوك وهو يدعو لمبادرة وفاقية ألا يلجأ للحلول الجراحية العميقة التي ربما تسبب بعض الآلام والتقرحات في جسد الساحة السياسية المتلهب، فآثر بأن يتم الحل بالتوافق، سيما ان الخطوة تمثل تحدياً مفصلياً لاستقرار الفترة الانتقالية بأكملها في ظل تمسك قيادة الدعم السريع بخصوصية وضعها العسكري الذي يتطلب بقاءهم كقوة تابعة للقوات المسلحة لكنها تظل في كيان موازٍ لا يقبل الذوبان.
جهاز المخابرات والشرطة
ودعا حمدوك إلى إصلاح المؤسسة الشرطية وجهاز الأمن والمخابرات، بما سماه إحداث عملية إصلاحات عميقة وجذرية وعاجلة، ثم اوضح ذلك ودون مواربة عندما قال: (اضطلاع الجهاز التنفيذي بدور أكبر في إدارة جهاز المخابرات وتغيير كافة مديري الإدارات بآخرين حادبين على نجاح المرحلة الانتقالية، وإجراء إصلاحات جوهرية وسريعة في هيكله وطرق عمله). ولعل الجديد في هذا الطرح هو دعوة حمدوك الى أن يكون للجهاز التنفيذي دور أكبر في إدارة جهاز المخبارات وتغيير الإدارات في داخله، غير أن الدعوة تتطلب تعديل الوثيقة الدستورية التي أعطت للمكون العسكري تبعية جهاز المخابرات، وبالتالي صلاحية تعيين المدير والإدارات في الجهاز وإعفاؤها، وصلاحية حجب أية عملية إصلاح لا يتفق معها، مما يعني أن دعوة حمدوك تظل في خانة الأماني والرجاءات أكثر من كونها دعوة تملك آلية التنفيذ الإيجازي.
النشاط الاقتصادي للجيش
وعن نشاط المؤسسات العسكرية الاقتصادية دعا د. حمدوك إلى مراجعته وحصره في الصناعات ذات الطبيعة العسكرية، ومراجعة الشركات التي انتقلت لحوزته عقب التغيير، ودمج نشاطه الاقتصادي في الاقتصاد الوطني تحت ولاية المالية على المال العام، والمعروف أن المؤسسة العسكرية ظلت تؤكد أن نشاطها الاقتصادي يصب في قالب الاقتصاد الوطني ويخضع للقوانين السائدة في البلاد، وأنها تدفع استحقاقات الضرائب والرسوم الحكومية، وسبق أن اشار د. حمدوك إلى أن المؤسسات الاقتصادية بعيدة عن ولاية وزارة المالية، ويأتي اجترار ذلك الحديث من حمدوك عبر مبادرته مؤشراً على أن الحكومة المدنية مازالت قلقة من استمرارية النشاط الاقتصادي العسكري، وترى أنه يؤثر في المنافسة التجارية وولاية الدولة على المال العام عبر وزارة المالية، كما لا يتسق مع طبيعة المؤسسة العسكرية باعتبار أن الدولة تتكفل بميزانية الدفاع التي تخضع للزيادة وفق المتطلبات الأمنية الظرفية.
كما أن شراء الأسلحة الحديثة تتداخل فيه العلاقات الخارجية التي تحسنت كثيراً، مما يتيح مرونة أكثر لتحديث وتطوير القوات المسلحة السودانية، دون الدخول في النشاط التجاري المحلي الذي مهما توسع فإنه لن يكون قادراً على احداث عملية التطوير المنشودة داخل المؤسسة العسكرية.
كما أشار حمدوك إلى ضرورة (ابتعاد القوى السياسية عن العمل داخل القوات المسلحة وعدم استقطاب منسوبيها)، فالتاريخ الحديث يشير الى أن الفترات الديمقراطية والانتقالية على وجه الخصوص شهدت محاولات حزبية عديدة للاستقطاب داخل القوات المسلحة، مما أسفر عن محاولات انقلابية بعضها أُجهض بعد نجاحه المؤقت، وبعضها تم تفكيكه قبل ساعة الصفر عبر عهود مختلفة، كما أن نجاح انقلاب الجبهة الاسلامية في الثلاثين من يونيو 1989م الذي انقض على النظام الديمقراطي فقد كانت عناصره داخل الجيش حاضرة بالتحالف مع حزب الجبهة الإسلامية.
لكن تظل الدعوة غير قابلة للاستجابة من قبل العديد من القوى السياسية التي تريد أن يكون لها وجود داخل الجيش، إما للقفز على السلطة عند الضرورة، أو لتكوين مراكز قوة تأمينية داخله.
فهل ينجح د. حمدوك في خطته الإصلاحية داخل القطاع الأمني والعسكري؟ أم تظل محاولاته تصطدم بالمطبات والمتاريس الخفية، سيما أن تلك الخطوة لها ما بعدها من ظلال وربما أشواك تريد بعض الجهات أن تكون في منأى عنها؟
The post إصلاح القطاعين الأمني والعسكري.. تحديات في طريق المبادرة appeared first on الانتباهة أون لاين.
source https://alintibaha.net/online/80550/
تعليقات