صديق البادي..تشخيص الأزمة وضرورة إيجاد معالجات عاجلة لئلا يتمزق الوطن

الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل

   تشهد الساحة المواجهة للقصر الجمهوري إعتصاماً وأعلن المعتصمون أنهم جزء من ثورة التغيير ويتمسكون بها ويدافعون عنها ويرفضون أية رجعة للوراء لما قبل اليوم الحادي عشر من شهر أبريل عام 2019م ويطالبون بتوسيع قاعدة المشاركة وأنهم لن يفضوا اعتصامهم إلا بإعادة تشكيل الحكومة ومنصة صنع القرار وكل مستلزماتهم وإحتياجاتهم متوفرة لدرجة البذخ وقد وجدوا دعماً مالياً وعينياً سخياً والطرف الآخر قام بمسيرات مضادة ومن ضمن مطالب المتظاهرين العديدة تسليم رئاسة مجلس السيادة للمكون المدني وعمر الفترة الإنتقالية ما زال مجهولاً حتى الآن بسبب المستجدات التي تطرأ تباعاً والمتوقع أن يجد مطلبهم في الوقت الراهن الرفض من المكون العسكري ومن يتحالفون معه ويمثل الطرفان الآن خطين متوازيين وصراعهما حول السلطة والمواقع ليس إلا . والقول بأن الساحة السياسية الآن إنقسمت لفسطاتين أحدهما هو فسطاط الديمقراطية والمدنية والآخر هو فسطاط الشمولية والديكتاتورية هو قول هراء وإدعاء كاذب خادع والآن فأن كل المدنيين والعسكريين المشاركين في السلطة غير منتخبين من الشعب عن طريق صناديق الإقتراع ولكن طبيعة المرحة الإنتقالية أملت مشاركتهم بحكم شرعية الأمر الواقع وليست لأي طرف منهما ميزة تفضيلية علي الطرف الآخر ( وهما أحمد وحاج أحمد ) وبعض الذين إعتلوا مواقع كبيرة في غفلة من الزمن ينطبق عليهم قول الأستاذ الطيب صالح من أين جاء هؤلاء ؟! والديمقراطية تعني الرجوع للشعب ليحدد خياراته وقياداته عن طريق صناديق الإقتراع وكل المشاركين في السلطة الآن من عسكريين ومدنيين إذا أجريت إنتخابات عامة فإنهم سيفقدون مواقعهم الدستورية الرفيعة والوزارية وغيرها ويصبحون مسؤولين سابقين ولذلك فالأفضل بالنسبة لكل منهم على المستوى الشخصي ألا تجري أنتخابات عامة وينطبق هذا القول على شاغلي المواقع الدستورية والوزارية من قيادات الحركات المسلحة التي وقعت في جوبا وليست لهم حتى الآن أحزاب وتنظيمات سياسية يخوضوا عبرها الإنتخابات ولذلك ليس من مصلحتهم إجراء إنتخابات عامة وينسحب هذا على الأحزاب الصغيرة التي تسرح وتمرح الآن ولكن إذا أجريت أنتخابات عامة ستكون حصيلتها منها صفرية أو شبه صفرية ويعيدها هذا لأحجامها الطبيعية الضئيلة من الناحية العديدة ولذلك فإنها ترفض الانتخابات متعللة بأسباب واهية أما الحزبين اللذين نال أحدهما مائة مقعد زائد مقعد في الانتخابات التي أجريت في عام 1986م ونال الحزب الآخر ثلاثة وستين مقعداً وأقاما حكومة إئتلافية أعيد تشكيلها عدة مرات وكان الحزبان الحاكمان في حالة شد وجذب وتشاكس وتنافر وبغض تاريخي موروث ولسان حال كل منهما يردد ( ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدواً له ما من صداقته بد ) وكانت تواجه الحكومة معارضة شرسة الغاية عندها تبرر الوسيلة مهما كانت لئيمة !! . وقد مضى على إجراء تلك الانتخابات خمسة وثلاثون عاماً حدثت فيها متغيرات عديدة وجرت فيها مياه كثيرة تحت الجسر وأحد الحزبين المشار إليهما إنقسم الآن لثمانية أحزاب وكل منها أصبح حزباً قائماً بذاته له هيكله التنظيمي وله قيادته وبرنامجه ولا يربط بين هذه الأحزاب إلا الاسم فقط وكل منهم يتمسك به بإعتباره إرثاً تاريخياً له فيه نصيب وحق لا يمكن أن يتنازل عنه ويتركه للآخرين . أما الحزب الآخر فإنه يحتاج لإعادة بناء وترميم وسد ثغراته الكثيرة وجمع شتاته وإيقاف صراعاته التي تعكس تصريحاتهم ورؤاهم المتنافرة المتناقضة طرفاً منها . وحاله بعد غياب زعامته الكارزمية التاريخية يغني عن سؤاله ولكن وضع الهيئة الدينية الدعوية الإرشادية أفضل وأكثر تماسكاً من الوضع في الحزب . أما حزب الحكومة في العهد السابق فقد كان يلعب في الملعب منفرداً ويكتسح الانتخابات لأنه كان يعتمد علي ميزانية التمكين وأموال الدولة وأجهزتها وإعلامها وسلطانها وصولجانها وتسلطها عبر ولاتها ومعتمديها وغيرهم وقد فقد حزب الحكومة السابق كل ذلك ولكن يمكن أن يكون له وجود جزئي كالآخرين في المستقبل إذا قام تيار العقلاء فيه بعملية نقد ذاتي للتجربة وإعادة وتجديد البناء التنظيمي ليبدأ من القاعدة باسم جديد وطرح جديد وقيادات جديدة وقد يكون لهم تنظيم واحد أو أكثر ولكن الهيمنة القديمة والسيطرة الأحادية والإمساك بكل مفاصل السلطة والمال والجاه ومنح الفتات لبعض الدائرين في فلكهم فأن هذه صفحة قد إنطوت إلى الأبد ولن تعود وخلاصة القول إن كل الأحزاب والحركات المسلحة الموقعة في جوبا غير مهيأة وغير مستعدة لإجراء انتخابات عامة وإذا أجريت الآن فإنها ستفرز ديمقراطية رابعة ضعيفة هزيلة قعيدة كسيحة لن تصمد كثيراً وستسقط لا محالة بإنقلاب عسكري كما سقطت من قبل ثلاثة نظم ديمقراطية كانت أفضل وأقوى منها والفرق بينها وبينهم كالفرق بين الثرى والثريا .. والحل الأوفق هو تصفير العداد والإتفاق على تمديد الفترة الانتقالية لخمسة أعوام على أقل تقدير تكون بدايتها بعد الإتفاق عليها ووضع برنامج محكم ومباشرة مهامها وعلى كافة الأحزاب والحركات المسلحة أن تنصرف لتنظيم نفسها وإقامة كيانات سياسية قوية وتحالفات راسخة يضم كل منها المتقاربين فكرياً مع ضرورة عقد ملتقىً تفاكري تتم فيه عملية نقد ذاتي وتقييم أداء الفترة الانتقالية التي أمضت حتى الآن ثلاثين شهراً ويمكن وصفها دون اسقاط ما يمكن إعتباره إشراقات بأنها بمدنييها وعسكرييها كانت فترة إنتقالية همجية إشتدت فيها الصراعات وقعدت بالمسيرة وأضرت كثيراً بالبلاد والعباد والضرورة تقتضي إقامة فترة إنتقالية جديدة قوية راسخة متماسكة .

وأن الإحتقان والتوتر السياسي صحبه توتر وإحتقان وسط المواطنين بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والخدمية وإنفلات الأمن وكثرة اللصوص والجرائم والمجرمين والمؤسف أن بعض المسؤولين الدستوريين والتنفيذيين يجهلون هذا الواقع المرير لأن حياتهم المخملية البازخة تعزلهم عنه وكأنهم يعيشون في كوكب آخر وبلا خجل أو حياء فأن بعض المسؤولين يفخرون ويعتزون بمشروع الدعم الذي يقدمه الإتحاد الأوروبي ويحمل إسم (ثمرات) ويقدم للفرد ألفي جنيه في الشهر وهو مبلغ لا يكفي الفرد لمدة يوم واحد وبعض المحتاجين المضطرين لأخذه يحصلون عليه بشق الأنفس بعد معاناة شديدة وقلة ضئيلة من الشعب السوداني لا تذكر هي التي صرفته والغالبية العظمى لم تصرف ولم تكترث ومنهم من لم يسمع به . والإتحاد الأوروبي مشكور على منحته ولكن عليه ألا يهدر أمواله في مشروع فاشل وعليه أن يحول هذه الأموال لمشروعات خدمية ملموسة وعلى الحكومة إيقاف (ثمرات) تقديراً لكرامة وعزة هذا الشعب الأبي الذي كانت يده هي العليا التي تعطي النازحين والمحتمين به واللاجئين إليه ولا يمكن أن ترضى بأخذ هذا الفتات الرخيص بهذه الطريقة المهينة .

وإن المسؤولين الأمريكان تدخلوا تدخلاً سافراً جهاراً نهاراً في الأحداث الجارية وأعلنوا إنحيازهم الصريح لأحد طرفي النزاع ووجه المتحدثين باسمهم نداءات صريحة للخروج في المسيرات التي ترد على المعتصمين في القصر وبرروا ذلك بأنهم يساندون المدنية والديمقراطية ولكن كل الدلائل والمؤشرات والسوابق تؤكد أنهم يقفون مع من يحقق لهم مصالحهم وظلوا يساندون ويدعمون دعماً سخياً نظماً استولت على السلطة بإنقلابات عسكرية بعد الإطاحة بنظم ديمقراطية وفي السودان أجريت إنتخابات حرة نزيهة في عام 1986م وكونت حكومة منتخبة ولكن أمريكا تعاملت معها بإهمال وجفاء وفتور وبرود حتى سقطت في الثلاثين من شهر يونيو عام 1989م وأمريكا لا يهمها المكون العسكري أو المكون المدني بل يهمها تحقيق هدفها المتمثل في ضرورة إضعاف الجيش السوداني والحد من قوته وإنطلاقه لآفاق أرحب وهي تدرك أنه من الجيوش القوية الآن بالمنطقة وقد إنتصر في الفشقة وأعادها لحضن الوطن وحقق إنتصارات باهرة أخرى وهي تريد أن تدك منظومته الدفاعية وتنهي أو تضعف التصنيع الحربي الذي تعتبره شوكة حوت في حلقها وظلت توجه إنتقادات حادة للجيش وموارده المالية التي تسنده وتقويه ومهد لهذه الحملة البعض هنا من الذين لا علاقة لهم بالدراسات العسكرية أو الإستراتيجية وأخذوا يتحدثون عن ضرورة إيجاد عقيدة جديدة للجيش وفي إطار حربه الباردة مع المكون العسكري أخذ أحد المسؤولين المدنيين يكثر الحديث عن ضرورة هيكلة الجيش و تفكيكه وإعادة تكوينه وإذا كانت له معركة مع هؤلاء فكان عليه أن يدرك أن الجيش هو جيش الوطن كله بعسكرييه ومدنييه وهو جيش السودان وليس جيش البرهان وأن في إضعافه إضعاف للوطن كله وأن الذين يمهدون للأمريكان بهذه الإفادات أصبحوا مثل دليلة التي خانت شمسون الجبار الذي ائتمنها على سره وأخبرها بأن سر قوته يكمن في شعر رأسه وأفشت دليلة هذا السر لأعدائه الذين أرادوا حلق رأسه فهد شمسون المبنى على نفسه وعلى أعدائه . وحديث الأمريكان عن المدنية والديمقراطية في هذه الظروف هو مجرد طلاء كاذب وغطاء خادع وهدفهم هو إضعاف الجيش ليصبح كنمر من ورق وأسد من رخام . والوطن مستهدف الآن وهناك من يطمع في أراضي الفشقة الزراعية وغيرها من أراضي السودان الشاسعة الواسعة الخصبة ومنهم من يريد الإنتصار عليه في معركة المياه ومنهم من يريده أن يكون ذيلاً تابعاً له ومنهم من يطمع في سواحله وموانيه وموارده وكنوزه وثرواته العديدة المتنوعة مع السعي لتفتيت وحدته وتقسيمه بالتدريج لعدة دول أو دويلات متنافرة وغير ذلك من الأطماع ولن يتأتى لهم كل ذلك إلا بإشعال نيران الفتن بين بنيه وإضعاف جيشه ومنظومته الدفاعية والتصنيع الحربي .

والآن فإن المطلوب هو إعادة تشكيل المحكمة الدستورية على جناح السرعة ومباشرة عملها ومهامها وفي غيابها حدث خلل في ميزان العدالة   والقانون هو الذي ينبغي أن يسود ويعلو ولا يعلى عليه وإلا لسادت الفوضى والهمجية . والضرورة تقتضي تكوين البرلمان (المجلس التشريعي الإنتقالي ) بلا إبطاء وتأخير وتجنب تعيين مهرجين سياسيين مزعجين فيه والتركيز على تعيين خبراء ومختصين وأهل دراية في كل لجنة برلمانية مختصة ويكون هؤلاء في مجملهم هم أعضاء المجلس التشريعي الذي يمارس سلطاته التشريعية والرقابية وفي وجود هذا البرلمان لن تكون هناك حاجة لوجود حاضنة .. وأوضاع السودان الداخلية المعقدة حالياً والتحرشات الأجنبية المحيطة به تتطلب وجود حكومة قوية تتشكل من أقوى وأصلب الشخصيات وأكثرها خبرةً وكفاءةً وقدرةً على العطاء والبلاء وأن يقودها رئيس وزراء يكون ليثاً هصوراً لا يخضع ويرضخ لأية إملاءات داخلية أو أوامر خارجية ويتمتع بقدرات كقدرات دكتور مهاتير محمد وقوة نهرو وصلابة الجنرال ديجول الذي تولى الرئاسة في فرنسا عام 1958م بزيه المدني بعد أن تخلى عن العسكرية وأخرج فرنسا بخبرته وقوته من متاهتها السياسية والفوضى التي كانت غارقة فيها وأقام الجمهورية الخامسة وصعد بفرنسا للثريا وبمحض إرادته وإختياره تنازل عن موقع رئيس الجمهورية وعكف على كتابة مذكراته قبل رحيله عن الدنيا . والضرورة تقتضي إنهاء الترهل العددي في مجلس السيادة وبسبب كبر العدد فأن كثيراً من المواطنين يجهلون أسماء عدد من أعضاء المجلس وليس بالمناصب وحدها يحيا الإنسان ويمكن لمن يصعب استيعابه في عضوية المجلس في المرحلة القادمة أن يخدم وطنه في أي مجال آخر . ونأمل أن يكون مجلس السيادة من ثلاثة من العسكريين وثلاثة من المدنيين وأن تعهد رئاسة المجلس للعسكريين وبالإضافة لسلطاته السيادية الرمزية تكون من مهامه حماية الجيش والحفاظ علي وحدته وصلابته والوقوف ضد إضعافه دون تدخل في عمل الجهاز التنفيذي وبهذا يصبح للمدنيين منصب رئيس الوزراء وكافة شاغلي الوظائف التنفيذية والوزارية وتؤول لهم رئاسة البرلمان ورئاسة المفوضيات …. الخ .

ولا أريد شخصنة القضايا ولكن الضرورة تقتضي أن أذكر وفق تقديري أن دكتور عبد الله حمدوك رئيس الوزراء عندما يظهر في أجهزة الإعلام يبدو عليه التهذيب والهدوء وعدم الإنفعال مع ضبط عباراته والخطابات التي يعدها ويكتبها له من حوله يقرأها بتمهل ومع هذه النعومة الظاهرية إلا أن له قدرات على الضرب تحت الحزام بذات الهدوء في معركته مع المكون العسكري التي يخفيها بالإبتسامات ونقي وجود خلافات وهو بكل تأكيد خصم ولكنه يسعى أحياناً ليكون خصماً ووسيطاً وحكماً في وقت واحد وحصيلة تجربته في الستة وعشرين شهراً التي أمضاها في منصب رئيس الوزراء مكشوفة ومعروفة للجميع وظل سيادته محاطاً بكماشات خارجية وداخلية تمسك به وتضيق الخناق عليه وهو يسعى لإرضائها جميعاً ومن أجل مصلحة الوطن ومصلحته الشخصية للخروج من هذا الخناق أن يبقى في المشهد السياسي ويتولى بالتزكية والإجماع موقع رئيس البرلمان .

The post صديق البادي..تشخيص الأزمة وضرورة إيجاد معالجات عاجلة لئلا يتمزق الوطن appeared first on الانتباهة أون لاين.



source https://alintibaha.net/online/92362/

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فيديو.. إنقاذ طفل سقط على قضبان قطار ولحظة فارقة بين الحياة والموت

تفاصيل قطع الطريق أمام البصات السفرية بين القضارف و ودمدني

تطبيق زيادات جديدة في أسعار الوقود بالسودان