قراءة المشهد وضرورة فك الإشتباك بين المكونين المدني والعسكري

الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل

صديق البادي

شهد الوطن أحداثاً عاصفة بعد المحاولة الإنقلابية الفاشلة التي سبقها تمهيد وحدثت بعدها توترات وهياج أعقبته تدخلات لتهدئة الموقف وأي جرح لن يلتئم إذا رم على فساد ولذلك لابد أن تكون المعالجات ناجزة وواضحة لا ضبابية فيها. وإن بعض المواقف تقتضي الشدة والحزم والقوة وأخرى تقتضي المرونة واللين ووضع السيف في موضع الندي بالعلا مضر كوضع الندي في موضع السيف. وسيدنا معاوية إبن أبي سفيان كان يضع في صدر مجلسه كلمات كتبت بخط واضح هي (لين وشدة) ومن صفاته الحلم وسعة الصدر مع الذكاء والدهاء. ودخل عليه مرة إعرابي جلف وأخذ يحكي في مسألته بألفاظ فظة وأسلوب جاف دون مراعاة للمقام والسن وكيفية مخاطبة الكبير والرد عليه ودون أن يفرق بين الصراحة والوقاحة ولا بين الأدب وقلة الأدب ولم يثر سيدنا معاوية أو يغضب وطلب منه أن يذهب لعامله زياد ابن بيه ويشرح له مظلمته بذات الطريقة وسيجد عنده الحل وذهب الإعرابي وأُدخل لمجلس زياد ابن أبيه وتهور وأخذ يخاطبه بذات الوقاحة والجلافة ولعله حسب أن في هذا بطولة وتمادي أكثر وسأل زياد ابن أبيه عن اسم والده واستبد الغضب بزياد وأمر بضرب عنقه ولقي حتفه بسبب رعونته. وكثير من المواقف تتطلب إيجاد معالجات في هدوء وتجنب طريقة ذلك الأعرابي مع ضرورة الموازنة بين اللين والشدة ( لا تكن ليناً فتعصر ولا تكن يابساً فتكسر ) والأوضاع الراهنة في البلاد تتطلب مراجعات ووقفات عند عدة محطات.

وأوردت وكالة السودان للأنباء (سونا) خبراً مفاده أن جاك سوليفان مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي أجري إتصالاً هاتفياً بدكتور عبدالله حمدوك رئيس الوزراء (أعرب فيه عن إلتزام إدارة الرئيس الأمريكي الصارم بدعم الإنتقال الديمقراطي بالبلاد والذي يقوده مدنيون ووقوف الإدارة الأمريكية بقوة وحسم ضد أية محاولات لعرقلة أو تعطيل إرادة الشعب السوداني في تحقيق شعارات الحرية والسلام والعدالة كما حذر من أن أية محاولة لتقويض الإعلان الدستوري ستكون لها عواقباً وخيمة على العلاقات الثنائية بين الخرطوم وواشنطن) . وبما أن ما ورد كان عبر إتصال هاتفي من شخص لآخر فأن المستمع الوحيد الذي أورد هذه الإفادات هو دكتور عبدالله حمدوك ولم يسمع المحادثة شخص آخر غيره. ولنا أن نتساءل ما هو الدعم الذي قدمته الإدارة الامريكية للإنتقال الديمقراطي في السودان ونجيب بأنها لم تقدم شيئاً يذكر منها مباشرةً أو بطريقة غير مباشرة عبر الدول التي تربطها بها علاقة وثيقة في المنطقة ويمكن أن تمرر أجندتها عبرها وربما تلعب الإدارة الأمريكية على الحبلين بأن تخاطب رئيس الوزراء عبر الهاتف وتعلن له أنها تساند المكون المدني إذا صدق هذا القول وفي نفس الوقت يمكن في الخفاء وعن طريق أذرعها في المنطقة أن تساند العسكريين . وإذا كانت الإدارة الأمريكية تقصد بالإنتقال الديمقراطي إجراء إنتخابات عامة فأن كل الدلائل والمؤشرات تؤكد أن جل أن لم أقل كل الحاكمين من عسكريين ومدنيين غير حريصين على إجراء إنتخابات عامة ولا يشغلون بها أنفسهم ولكنهم قد يتخذونها سيف عشر يهددون به بعضهم البعض ويعلنون أنهم سيقيمونها دون أن يكونوا جادين في ذلك ( دق القراف خلي الجمال تخاف) وبالنسبة للمكونين المدني والعسكري فإن إجراء الإنتخابات يعني أن يصبح شاغلو الوظائف الدستورية والوزارية لكل منهما مسؤولين سابقين بفقدانهم مواقعهم ولهذا فليس من مصلحتهم إجراء إنتخابات عامة. وكافة قيادات الحركات المسلحة التي وقعت في جوبا وإعتلت مواقع دستورية وقيادية في الدولة لن تخوض الإنتخابات إذا قامت لأنها حتى الآن ليست لها أحزاب وتنظيمات سياسية تخوض عبرها الإنتخابات التي ليس من مصلحتها أن تقوم ، حيث أنها ستفقد مواقعها الرفيعة. وكافة الأحزاب غير مهيأة تنظيمياً ومالياً لخوض الإنتخابات وغير مؤهلة ومهيأة بوضعها الماثل لتسيير شؤون البلاد والعباد إذا آلت إليها السلطة، والديمقراطية الثالثة سقطت بعد ثلاثة أعوام فقط بعد ظهور نتائج الإنتخابات في عام 1986م وهي قطعاً أفضل حالاً من الديمقراطية المرتقبة الرابعة والمتوقع سقوطها بعد ثلاثة أشهر بسبب ضعف الأحزاب الماثل الآن والضرورة تقتضي أن تتصرف كافة الأحزاب لتنظيم نفسها والأوفق هو قيام تحالفات بين القوى المتقاربة فكرياً وقد أضرت بالبلاد كثيراً التحالفات التي قامت بين المتنافرين فكرياً وسياسياً. والأفضل أن يقوم تحالف وتيار يضم قوى اليمين وتحالف وتيار آخر يضم قوى اليسار وتحالف وتيار ثالث يضم قوى الوسط التي تمثل الأغلبية . وقيام الإنتخابات أو عدم قيامها تحدده المعطيات الداخلية ولا تفرضه الإملاءات والوصاية الفوقية والأوامر الأجنبية الصادرة من الخارج …وهناك ثمة خطط أجنبية قديمة لإضعاف السودان وإنهاكه بالحروب والصراعات حول السلطة توطئة لتقسيمه بالتدريج والآن فإن المحاولات الخبيثة لزعزعة وحدته توطئة لتقسيمه قد بدأت والشواهد على ذلك عديدة ولا تحتاج لتوضيح وتفصيل فما هو رأي تلك القوى الأجنبية في ما يجري في السودان؟.

وأن من أخطاء المنتمين للمكون العسكري في السلطة إصرارهم على أن يكون تعيين وزير الدفاع ووزير الداخلية بواسطتهم والوزيران يعملان في الجهاز التنفيذي ويرأسهم السيد رئيس الوزراء ولا يتبعان لمجلس السيادة وكان ينبغي أن يعهد قرار إختيارهم وتعيينهم للسيد رئيس الوزراء. والإنفلات الأمني (وتسعة طويلة وغيرها) والنشالين والمنتشرين في الأسواق ومواقف المواصلات وأماكن الزحام مع كثرة اللصوص من حملة السواطير والأسلحة البيضاء والمجرمين والقتلة ومنتهى العروض … الخ. وكثير من المنتمين لقحت يحملون المسؤولية للمكون العسكري ظانين أن الوزيرين يتبعان له وكان على المكون العسكري ترك مهمة إختيارهما للسيد رئيس الوزراء وليس بالضرورة أن يكونا من القوات النظامية وأن عدداً كبيراً من المدنيين منذ أول حكومة وطنية تولوا وزارة الدفاع ووزارة الداخلية وإن إختيار وزير الدفاع ووزير الداخلية ينبغي أن يكون من إختصاص السيد رئيس الوزراء أما المكون العسكري في مجلس السيادة يمكن أن تعهد إليه لجان الدفاع والأمن القومي التابعة للمجلس. أما المسائل الجنائية وغيرها من المهام اليومية فهي من إختصاص وزير الداخلية الذي هو عضو بمجلس الوزراء وجزء أصيل من الجهاز التنفيذي… وأن كل المؤشرات وقرائن الأحوال تؤكد أن الفترة الإنتقالية سيتم تمديدها ونطالب بعض الدوائر بإختيار رئيس مجلس السيادة من المكون المدني. وأعضاء مجلس السيادة من المدنيين هم السيدة عائشة موسى التي استقالت ومولانا حسن شيخ إدريس وهو قانوني كان يعمل قاضياً ولا يظهر في أجهزة الإعلام الا نادراً ولعله يعمل في صمت ويقف عند حدود السلطات السيادية الرمزية ولا ندري هل تم إختياره في مجلس السيادة ممثلاً للشرق أم ممثلاً لحزب الأمة الذي ينتمي إليه ومن الواضح أنه زاهد في الموقع ولا يتطلع للرئاسة ومن أعضاء المجلس المدنيين بروفيسور صديق تاور وهو عالم في مجال تخصصه وأدى أدواراً مقدرة في مجال الصحة ومحاربة الكورونا والمساهمة في إيجاد العلاج والوقاية والحد منها وله مساهمات عديدة في قيادة لجان الصلح وهو ينتمي لحزب البعث وهو حر في قناعاته وخياراته ولكن هذا الإنتماء الحزبي الصارخ يقف حائلاً بينه وبين الرئاسة إذا آلت للمدنيين ويضم المجلس من المدنيين الشابين الفكي والتعايشي ولكل منهما طريقته الخاصة به والمختلفة عن طريقة الآخر في الآداء والتعبير وهما في مقتبل العمر ومن السابق لأوانه تولي أياً منهما الموقع البروتوكولي الأول في السودان في هذه المرحلة والمستقبل أمامهما واعد…

وإذا كان هناك إصرار على تولي أحد المدنيين رئاسة مجلس السيادة فأن هذا يقتضي إجراء تغيير وعملية إحلال وإبدال وسط الأعضاء المدنين ليتسني إختيار رئيس مدني لمجس السيادة بمستوى المنصب الرفيع ويكون صاحب تاريخ مثقل بالإنجازات الباهرة وذو وزن وثقل وله إحترام على المستوى القومي. وإذا أصبح رئيس مجلس السيادة من المدنيين ورئيس الوزراء بالطبع هو من المدنيين نأمل ألا تحدث غيرة بين الرئيسين المدنيين ويتم استبدال رمضاء الشد والجذب العسكري والمدني الذي يحدث أحياناً بنار محرقة بين رئاسة مجلس السيادة المدنية ورئاسة مجلس الوزراء المدنية وإذا أصبح رئيس مجلس السيادة مدنياً فإنه تلقائياً يصبح القائد الأعلى للقوات المسلحة بوصفه رأساً للدولة وإذا أضحى الفريق أول عبدالفتاح البرهان عضواً بمجلس السيادة وقائداً عاماً للقوات المسلحة ربما يحدث شد وجذب بين القائد الأعلي والقائد العام . والفريق البرهان في هذه المرحلة هو صمام الأمان لتماسك القوات النظامية (جيش ودعم سريع وأمن واستخبارات وشرطة) وإذا استقال مع عضوية المجلس ومن القيادة العامة وعين قائداً عاماً جديداً للقوات المسلحة فالمتوقع أن يحدث على جناح السرعة صدام بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وربما تحدث تحولات من هذا الطرف للطرف الآخر بدوافع إثنية والعلاقة الشخصية الطيبة بين البرهان وحميدتي هي التي تحفظ التوازن مرحلياً بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع حتي يتم معالجة هذا الموضوع بهدوء في المستقبل . والضرورة تقتضي أن تستمر الشراكة بين المكونين العسكري والمدني في مجلس السيادة ويتولى الفريق أول عبدالفتاح البرهان رئاسة المجلس حتى نهاية الدورة شريطة أن تحدد المهام والإختصاصات بوضوح لئلا يحدث تداخل في السلطات. والضرورة تقتضي إعادة تشكيل الحكومة من كفاءات وطنية ذات قدرات عالية لمجابهة التحديات العويصة التي يمر بها الوطن ويترك لرئيس الوزراء حق إختيار وزراء يأنس في خبراتهم من الذين عملوا معه في حكومته الفترة الماضية مع ضرورة التركيز على معالجة الأوضاع الإقتصادية والمعيشية المتردية ومجابهة التفلتات الأمنية بصرامة وحسم وإقامة علاقات خارجية متوازنة تراعي في المقام الأول مصالح السودان العليا. مع ضرورة إعادة تكوين المحكمة الدستورية على جناح السرعة ليستقيم ميزان العدالة المختل حالياً لغياب المحكمة الدستورية. وتشكيل المجلس التشريعي الإنتقالي من أفضل الكفاءات ليقوموا بالتخطيط ومراقبة آداء الجهاز التنفيذي ويكون هو الحاضنة الوحيدة. وعلى جميع السياسيين بعد ذلك أن ينصرفوا لتنظيم أحزابهم وقيام تحالفاتهم. والتكامل والتعاون بين المكونين المدني والعسكري تمليه طبيعة المرحلة الحالية مع تحديد الإختصاصات بوضوح لئلا تحدث تداخلات وإحتكاكات.

The post قراءة المشهد وضرورة فك الإشتباك بين المكونين المدني والعسكري appeared first on الانتباهة أون لاين.



source https://alintibaha.net/online/90396/

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فيديو.. إنقاذ طفل سقط على قضبان قطار ولحظة فارقة بين الحياة والموت

تفاصيل قطع الطريق أمام البصات السفرية بين القضارف و ودمدني

تطبيق زيادات جديدة في أسعار الوقود بالسودان