موقف.. د. حسن محمد صالح: ذكري اكتوبر١٩٦٤م (( ما أشبه الليلة بالبارحة))
الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل
فذلكة تاريخية :
كما هو معلوم فقد اندلعت ثورة اكتوبر ١٩٦٤م ضد نظام ١٧ نوفمبر ١٩٥٨ برئاسة الفريق ابراهيم عبود او ((بابا عبود)) كما كانوا يسمونه فالرجل كان يتسم بالطيبة والوطنية مع بعضهما البعض
*** اما العامل الاساسي في ثورة اكتوبر كان هو ((مشكلة جنوب السودان)) ورغم ان حركة انيانيا لم تكن تشكل تمردا خطيرا في العام ١٩٦٤م فان انشطتها العسكرية سرعان ما جعلت من مشكلة الجنوب ازمة امنية وسياسية وقومية واضحة للعيان في حضر شمال السودان.
كان نظام عبود يعتمد الحل العسكري الصارم للمشكلة للقضاء علي التمرد. كان النهج العسكري هو مصدر النقد لنظام عبود واضطر النقد حكومة عبود لترضية منتقديها وتحسين صورتها وبالفعل في منتصف اكتوبر اضطرت الي اعلان السماح لمناقشة عامة لمشكلة الجنوب بين طلاب جامعة الخرطوم تلك المناقشة التي اخرجت الي العلن ((الغضب المكبوت)) علي النظام. وفي مساء ٢١ اكتوبر عقد اتحاد طلاب جامعة الخرطوم اجتماعا لمناقشة مشكلة الجنوب توصل الحاضرون فيه بصراحة الي ان هذه المشكلة لن تحل ابدا طالما بقي النظام في السلطة.
النظام يندم علي هامش الحرية :
. لقد تدارك النظام امره في اتاحة الحرية وشعر بالخطر وحظر عقد اي اجتماعات مماثلة وفي يوم ٢٢ اكتوبر ١٩٦٤م وقعت المواجهة بين الطلاب والشرطة وخلال المصادمات التي استخدمت فيها الشرطة الهروات والغاز المسيل للدموع اصيب العديد من الطلاب كان من بينهم الطالب احمد القرشي شهيد الثورة الذي توفي في المستشفي في نفس الليلة وفي اليوم التالي بلغ عدد المشيعين لجنازة القرشي ثلاثين الفا يتقدمهم اعضاء هيئة التدريس بردائهم الرسمي ويهتفون بالشعارات المعادية للحكومة واندلعت المظاهرات واعمال الشغب وحرق السيارات في سائر انحاء الخرطوم ولم يعد بوسع الشرطة ولا الجيش استعادة النظام .
االقضاء يتدخل :
في يوم السبت الخامس والعشرون من اكتوبر ١٩٦٤م استخدمت المحكمة العليا صلاحياتها واذنت بتسير المواكب التلقائية من المعلمين والمهندسين والمحامين والطلاب واطلقت علي نفسها الجبهة القومية للمهنيين المحسوبة علي الحزب الشيوعي السوداني ولك ان تلاحظ المدة الزمنية للفاصلة بين شرارة الثورة ونشؤ هذا الجسم الشبيه بتجمع المهنيين في ثورة ديسمبر ٢٠١٨م .
ودعا المجلس التنفيذي للجبهة الي اضراب عام اشترك فيه موظفو الحكومة مما ادي لاصابة الخرطوم والمدن الاخري بالشلل.
ظهور الاحزاب :
واجتمع قادة الاحزاب ((المجمدة)) من قبل نظام ١٧ نوفمبر ١٩٥٨م وهي الاحزاب التقليدية.
ددور الجيش في الثورة :
ووقع شبه انقسام بين كبار ضباط الجيش الذين طالبوا ببمارسة بمع الثوار وصغار الضباط المتعاطفين مع المتظاهرين. وقد انحسم هذا التباين سريعا بحل المجلس الاعلي للقوات المسلحة وعودة الجيش الي ثكناته
شهداء اكتوبر ١٩٦٤م
بلغ عدد القتلي عشرين قتيلا علي يد القوات التي كانت تحاول وفق الاحتجاجات بالاضافة للقرشي وطالبين اخرين من جامعة الخرطوم.
تتنازل عبود :
كان الفريق عبود يراقب المتظاهرين من شرفة القصر وهم يرددون الشعارات المناوئة للحكومة وقال انه لا يريد ان يلطخ يديه بدماء المتظاهرين العزل. وفي ٢٦ اكتوبر اي بعد اسبوع من وفاة الطالب احمد القرشي اعلن الفريق عبود حل المجلس الاعلي للقوات المسلحة فتدفق السودانيون ((المتحفظون)) عادة الي الشوارع ليرقص الرجال وتزغرد النساء ولتتجمع حشود هائلة تغمرها الفرحة وعمت العاصمة موجة من الاحتفالات وسرعان ما دخل الي الفلكلور السوداني اسطورة الثورة غير الدموية. وبعد اربعة ايام من مفاوضات وصفت بانها صعبة بين الجيش والجبهة المتحدة.
تتشكيل حكومة الثورة بين الامس واليوم :
تم الاتفاق علي تشكيل حكومة انتقالية يتولي رئاستها سر الختم الخليفة وهو مدير المعهد الفني بالخرطوم وكان موضع احترام لا تشوبه شائبه كما تمتع بالشعبية في الجنوب ابان توليه نائبا لمدير التعليم في جنوب السودان وضم مجلس وزراء حكومة اكتوبر الانتقالية اعضاء من جبهة المهنيين المحسوبة علي الحزب الشيوعي السوداني وثلاثة شيوعييو واثنين َمن الجنوبيين وممثلا واحدا لكل من الاحزاب السياسية الخمسة.. ((الامة والاتحادي والشعب الديمقراطي والشيوعي والاخوان المسلمين)) .
ضيعناك وضعنا وراك يا عبود :
وفي يوم الرابع والعشرون من اكتوبر ١٩٦٤م رحل الفريق عبود بهدؤ من القصر الجمهوري وفي اليوم التالي لمغادرته القصر قابله الباعة في السوق بالهتاف له بينما كان يشتري البرتقال.
الحزب الشيوعي واحد طويلة :.
وجدت الاحزاب التقليدية الامة والاتحادي والشعب الديمقراطي نفسها تشارك بوزراء اقل بكثير في حكومة اكتوبر الانتقالية. وكانت السيطرة علي تلك الحكومة للحزب الشوعي السوداني(( واحد طويلة)) تلك الايام وظل الحزب الشيوعي السوداني هو الحاضنة السياسية بينما الاحزاب ذات الثقل والتمثيل الجماهيري مهمشة.
الامام ينتفض ((ابو مريم)) :
سيرا علي طريقة تصحيح الاوضاع واعادة الثورة المختطفة وفي فبراير من عام ١٩٦٥م اطلق الصادق المهدي المعروف يومها بنجل السيد الصديق وحفيد السيد عبد الرحمن المهدي حملة من عشرات الالاف من الانصار الذين تدفقوا الي شوارع الخرطوم ليلا مرددين اهازيج الحرب وذلك في تظاهرة للقوي المحافظة وتحت ضغط الخوف من حشد الانصار المرعب انهارت الجبهة المتحدة التي كانت قواعدها من المهنيين.. وخاصة الاطباء والمهندسين واستقالت حكومة الجبهة في ١٨ فبراير ١٩٦٥م وفي يوم ٢٥ فبراير شكل رئيس الوزراء سر الختم الخليفة حكومة جديدة وقد وصفت بانها الحكومة التي هيمن عليها حزب الامة ووالاتحادي مع جبهة الميثاق الاسلامي.
حكومة اكتوبر الثانية :
كانت هناك تحديات امام ثورة اكتوبر ليس من بينها الخبز كما في ثورة ديسمبر ٢٠١٩م… ولم كانت مشكلة الجنوب هي التحدي الاول لثورة اكتوبر عقدت
حكومة اكتوبر الثانية مؤتمر المائدة المستديرة في ١٦ مارس ١٩٦٥ لحل مشكلة جنوب السودان وتمثلت في المؤتمر كل احزاب السودان الرئيسية واشترك فيه مراقبون من يوغندا وكينيا ونيجيريا وتنزانيا والجزائر ومصر وغانا وتراس المؤتمر بروفسير دفع الله النذير رئيس جامعة الخرطوم وتولي اعمال السكرتاريا الدكتور محمد عمر بشير وبعد عشرة ايام من المفاوضات تكونت لجنة الاثني عشر اي في يوم ٢٥ مايو ١٩٦٥م وهي مجموعة عمل لصياغة مسودة مقترحات للاصلاح الدستوري والاداري. واجتمعت اللجنة بانتظام علي مدي ستة اشهر وعصفت الخلافات باللجنة وبمؤتمر المائدة المستيدرة.
الانتخابات :
وتحول اهتمام الحكومة نحو الاصلاح الانتخابي توطئة لاجراء الانتخابات البرلمانيةالحاسمة في ربيع ١٩٦٥م فتم الغاء مجلس الشيوخ غير الفعال والذي جاء معظم اعضائه من المشائخ وزعماء العشائر التقليديين وحصلت ((المراة)) علي حق الانتخاب وتم تخفيض سن الانتخاب الي ١٨ سنة. تم تعطيل الانتخابات في جنوب السودان بسبب اعلان حالة اطوارئ في الاقليم كما قرر المجلس السيادي وهو مكون من خمسة اعضاء يمثلون اقاليم السودان. وفاز حزب الامة ب٧٦ دائرة معظمها في الريف واستمرت سيطرة الحزب الاتحادي في المدن وفاز ب٥٤ مقعد وكانت المفاجأة في تلك الانتخابات ان معظم الدوائر الانتخابية المحسومة تاريخياللختمية في شرق السودان فاز بها عشرة اعضاء من مؤتمر البجا الذي تشكل في العام ١٩٥٧م علي ايدي عدد من مثقفي البجا بهدف تعبئبة المتعلمين من البجا في شرق السودان. وقد طالب الموتمر كحزب ذي ميول انفصالية بنظام فيدرالي في السودان وهو ما امن له في انتخابات ١٩٦٥م الفوز بمقاعد كانت محسومة للحزب الاتحادي. ووقعت الظاهرة نفسها في اقليم جبال النوبة حيث فاز مستقلون مدعومون من الاتحاد العام لجبال النوبة بتسع دوائر انتخابية. وقد شكا هؤلاء مثل رصفائهم البجا شكوي مرة من الاهمال. وقاطع حزب الشعب الديمقراطي في خطوة وصفت بالحمقاء الانتخابات وفازت جبهة الميثاق الاسلامذي بخمسة مقاعد في حين فاز الشيوعيون بثمانية مقاعد. وقد جاءت دوائر هذين الاتجاهين من الدوائر الخمسة عشر المخصصة للخريجين. ولكن اغرب النتائج وقعت في الجنوب حيث ذهبت مقاعد عشرين دائرة انتخابية جنوبية الي تجار شماليين استكملوا متطلبات الاقامة ورشحوا انفسهم حيث لم يجدوا امامهم معارضة ومن ثم انتخبهم عدد محدود من الجلابة في المدن الجنوبية.
.وتشكلت الحكومة الائتلافية بين الامة والاتحادي برئاسة السيد محمد احمد محجوب وقد اظهر تعامل المحجوب مع المشكلة الجنوبية بشكل ماساوي ان السياسيين الشماليين لم يتعلموا شيئا من الاخفاقات التي وقع فيها النظام العسكري وادي ذلك الي اتجاه متمردي الانانيا بمعسكرات اللجوء في يوغنداوالكنغو وداخل غابات الجنوب. وبذات القدر ازدادت المشاحنات السياسية بين الجنوبيين الذين ظلوا بعد مؤتمر المائدة المستديرة ورصفائهم في كمبالا. وفي الشمال نفسه ادي التناحر بين الاحزاب الي تهديد الاستقرار السياسي وقد انعكس ذلك علي السياسة الخارجية والاقتصاد رغم الجهود المبذولة في هذا الخصوص الي ان وقع انقلاب ٢٥ مايو ١٩٦٩ بقيادة الضباط الاحرار بقيادة اشتراكية راديكالية من الحزب الشيوعي السوداني وانطوت صفحة الديمقراطية الثانية بذلك الانقلاب العسكريوما اكثر العبر واقل الاعتبار في السياسة السودانية.وتحية وسلام لثورة امتوبر وثوار اكتوبر يا صناع المجد.
The post موقف.. د. حسن محمد صالح: ذكري اكتوبر١٩٦٤م (( ما أشبه الليلة بالبارحة)) appeared first on الانتباهة أون لاين.
source https://alintibaha.net/online/92897/
تعليقات