صديق البادي يكتب:نحو وحدة وطنية ومجتمعية قوية تتجاوز الحواجز الجهوية الوهمية
الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل
السودان من بلاد المدنيات القديمة وتاريخه ضارب في القدم والاهرامات القائمة فيه منذ الآف السنين تدل على ذلك . وقد بسط ملوكه تهراقا وبعانخي وغيرهما نفوذهم خارجه وحكموا مصر وغيرها ، وتاريخ السودان ظل منذ القدم ممتداً في حلقات متسلسلة متصلة لا تنفصم ومنها على سبيل المثال قيام مملكتي المغرة وعلوة المسيحيتين في الماضي . وانتشر الاسلام وقامت السلطنة الزرقاء وسلطنة الفور والمسبعات وسلطنات وممالك أخرى عديدة ، وإسم السودان كان يطلق على حزام ممتد يشمل عدة اقطار وعلى سبيل المثال كان يطلق على تشاد اسم (السودان الفرنسي) عندما كانت مستعمرة استعماراً فرنسياً . واختصر الاسم بعد ذلك على السودان وحده بحدوده المعروفة التى كانت تمتد من حلفا شمالاً حتى نمولي جنوباً قبل انفصال دولة جنوب السودان وحدوده ممتدة من سواكن وبورتسودان شرقاً حتى الجنينة غرباً . وهو دولة افرو عربية ، وجغرافياً يعتبردولة افريقية وتبعاً لذلك يعتبر سكانه بكل إثنياتهم وقبائلهم أفارقة بحكم وجودهم الجغرافي في قارة افريقيا . وينسحب هذا القول على دول أخرى افرو عربية مثل مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا والصومال وجيبوتي وهم من حيث الجغرافيا ينتمون لافريقيا .
ودخل العرب في السودان عبر عدة طرق ومنافذ وحضروا أفراداً أو في جماعات بغرض التجارة أو غيرها من الاغراض واستقروا مع ساكنيه الأصليين وتزوجوا منهم وانجبوا وتصاهروا وانصهروا واندمجوا فيهم وأخذوا منذ مجيئهم في نشر تعاليم الدين الاسلامي الحنيف واللغة العربية الفصحى لمن يأخذ قدراً من التعليم في الخلاوي وحلقات العلم والفقه واللغة العربية الدارجة التى أصبحت بالتدريج هي لغة التخاطب المشترك بين كافة المواطنين . وفي كل إرجاء البلاد شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً ووسطاً كانت ومازالت توجد لهجات ولغات محلية تكون قاصرة على من يلمون ويتخاطبون بها ولكن اللغة العربية الفصحى أو الدارجة هي لغة التخاطب التى تربطهم وتزيل حواجز التخاطب اللغوي بينهم .
وتوجد في السودان قبائل كثيرة داخل كل منها فروع عديدة ويضم كل فرع عدداً من خشوم البيوت، وتوجد مجموعات قبلية وتضم كل مجموعة قبلية عدداً من القبائل وكل قبيلة قائمة بذاتها أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر المجموعة الكاهلية والمجموعة الجعلية والمجموعة الرفاعية وقبائل البجة وقبائل دار حامد ودنقلا تضم دناقلة وغير دناقلة ينتمون لقبائل اخرى وتكون احياناً النسبة للمنطقة عندما يقال دنقلاوي ، ومجموعة قبائل البقارة تضم عدداً من القبائل وكل قبيلة قائمة بذاتها والنسبة في تسمية (بقارة) ترجع للمهنة وهي تربية الابقار وليست للقبيلة وكذلك يوجد أبالة والنسبة أو الصفة ترجع لتربية الابل . وقبيلة الرزيقات مثلاً تضم (أبالة وبقارة) .
وتوجد قبائل حدودية متداخلة بين السودان وجيرانه وجزء منها هنا وجزء منها هناك بنسب متفاوتة وقد توجد أسرة واحدة بعض أفرادها هنا وبعضهم هناك وبينهم تواصل وتبادل زيارات عائلية ، ويوجد في جنوب مصر أو بالاحرى في صعيد مصر وفي اقصى شمال السودان نوبة هنا وهناك ولغتهم ولهجتهم واحدة وعاداتهم وتقاليدهم وفنونهم الشعبية مشتركة ، وسحناتهم واشكالهم متشابهة ، وبين السودان واريتريا قبائل متداخلة حدودياً واصلها واحد ولغتها واحدة وبين المنتمين اليها مشتركات كثيرة ، وبين السودان وتشاد قبائل حدودية مشتركة مع وجود كثيف لها داخل القطر كقبائل سودانية ، وجنوب السودان قبل وبعد الانفصال كانت ولا زالت فيه قبائل إستوائية لبعضها امتدادات داخل دول الجوار الافريقي مثل يوغندا وكينيا والكنغو .
وقد أتى للسودان مهاجرون كثيرون استقروا فيه بصورة دائمة منذ أمد بعيد واصبحوا مواطنين فيه وجزء من نسيجه وأذكر منها الهجرات من غرب افريقيا وقد اتي المهاجرون بغرض العمل ومن المهاجرين من جاءوا مارين بالسودان في رحلة طويلة شاقة للاراضي المقدسة لاداء فريضة الحج وعند عودتهم وهم في طريقهم لبلدانهم الاصلية طاب لهم المقام واستقروا في السودان ومنهم من أتى قبل مائة وعشرين عاماً ومنهم من اتى قبل قرنين ومنهم من أتى قبل ذلك وبعض الاحفاد والاسباط الآن ولد أباؤهم واجدادهم واجداد اجدادهم في السودان وأصبحوا سودانبين ولا يعرفون أو ينتمون لوطن سواه وجل هولاء كانت هجراتهم القديمة تلك من نيجيريا ومنهم من أتوا من مالي وفولتا العليا وي نسبون اليها ومنهم من أتى من أفريقيا الوسطى . وقبل أعوام زار السودان دكتور كوفي عنان السكرتير العام للامم المتحدة وقتئذ وهو من غانا والتقى هنا في الخرطوم بابن عمه (لزم) الذي كان يعيش بعشش فلاتة مع أسرته ، ويوجد سودانيون جذورهم تركية وقد حضر أجدادهم للسودان واستقروا فيه أبان عهد التركية السابقة في الفترة الممتدة بين عامي 1821م و 1885م . ويوجد آخرون حضروا منذ أمد بعيد من الشام واستقروا في السودان الذي اصبح بالنسبة لهم مستقراً ووطناً دائماً ويعرفون بالشوام ويعرف الواحد منهم بأنه شامي ، اما السودان ومصر فان الهجرات المتبادلة والمصاهرات التى حدثت بينهم كثيرة وأستقر الكثيرون منهم بالسودان وينسب بعضهم للمدن التى اتوا منها مثل (الدمياطي والفيومي ..الخ.) وأضحت هويتهم منذ زمن بعيد سودانية وليست مصرية ، ويوجد سودانيون كانت هجرتهم من مملكة المغرب ولا ينتمون لجد واحد إذ انهم اتوا في أزمان مختلفة ومن مناطق عديدة في المغرب واشكالهم والوانهم متباينة ومنهم ذوي البشرة السمراء أو الفاتحة قليلاً ومنهم ذوي البشرة البيضاء ، ويوجد سودانيون في اقصى شمال السودان جذورهم ترجع لقارة اوروبا ويقال لهم المجراب لان جدودهم اتوا من المجر … وهذه مجرد نماذج للهجرات والمهاجرين الذين أتوا للسودان منذ امد بعيد واستقروا فيه وأصبح لهم مستقراً ووطناً دائماً واصبحوا جزء من نسيجه وحدثت مصاهرات واختلاط للدماء بين كافة هذه المكونات المذكورة وغيرها . من المكونات العديدة الاخرى، وعلي سبيل المثال فان كثيراً من الذين ذهبوا لدارفور وعملوا فيها بالتجارة وغيرها من المهن من الذين يوصفون هناك بالجلابة واستقروا فيها وتزوجوا وانجبوا وانصهروا مع اهلها، وحدثني صديق عزيز بأن والده الذي أتى من نهر النيل وعمل بدارفور ينتمي لقبيلة الجعليين وتزوج والدته التى تنتمي لقبيلة الفور وتمت الزيجة بموافقة ومباركة الاهل من الطرفين بعد صداقة نمت بين والده واخوانه وانه واخوته ظلوا على صلة وثيقة باهلهم من جهة والده بنهر النيل وتزوج هو بنت عمه والمؤكد أن حالات كثيرة لا تحصى مثل حالة صديقنا هذا حدثت بارجاء القطر المختلفة . وهذا يؤكد بجلاء اختلاط الدماء بين السودانيين والزواج مسآلة شخصية ، ويعتبر من الخصوصيات وقد يحدث في انحاء القطر المختلفة ان يتقدم إنسان لخطبة ابنة عمه أو ابنة خاله أو ابنة عمته او ابنة خالته ويرفض طلبه ويتم تزويجها من انسان غريب لا يلتقيان في القرابة إلآ عند أبونا آدم وامنا حواء . ويحدث زواج فيه توافق وانسجام ين الزوجين والاهل في الاسرتين ، ويتناول البعض موضوع الزواج بطريقة خاطئة فيها حساسية اكثر من اللزوم وتحميل المسألة ما لاتحتمل … وفي سفر منفصل سيتم نشره أوردت بعد جهد شاق وبحث دقيق مائة نموذج لأسر ممتدة فيها الجد والوالد والابن والحفيد والسبط ولكل منهم أسرته الخاصة ومنهم من له زوجة واحدة او زوجتين أو اكثر ، وحدثت مصاهرات كثيرة بين هذه الأسر مع آخرين من مختلف المناطق والاثنيات والقبائل وذكرت الاسماء من ذكور واناث وأوردت حتى اسماء الاطفال . والمصاهرات أزالت الحواجز الجهوية والقبلية وعلى سبيل المثال ، فان احدى الأسر المرموقة في السودان تنتمي لرمز كبير جليل القدر ولد بجزيرة للاشراف وأسرته الكبيرة الممتدة بما فيها الاحفاد والاسباط وأسرهم تصاهروا مع قبائل مختلفة اختلطت دماؤهم معها وتضم كنوز وفور وكواهلة عبابدة وكواهلة حسانية وفونج ورباطاب وبزعة وفلاتة (فولاني) وتعايشة وجليلاب واثنين من هذه الاسرة جدتهما من ناحية الام حبشية وهذا مجرد نموذج .وإمتداداً لما سبق تجري الآن عمليات مصاهرات وزيجات في كل ارجاء القطر لا سيما في المدن تكسرت فيها الحواجز الجهوية والقبلية وتوجد الآن في السودان خلاطة كبيرة تقوم بعملية خلط وصهر ومزج للدماء بين السودانيين في هدوء وبطريقة انسيابية ولكن الاستقطابات والمكاسب السياسية الضيقة هي التى تؤجج الصراعات وتفتعلها وتحول الحبة لتصبح قبة وهي جنادل تعترض المسيرة المجتمعية المنسابة في هدوء .
وإن الجغرافيين يؤكدون ان الابيض من حيث الموقع تقع في وسط السودان وليست في غرب وإذا امضيت فيها اياما وتجولت واختلطت بمواطنيها فانك تدرك انهم من حيث التركيبة السكانية والسحنات وطريقة الحياة والعادات والتقاليد ينتمون للوسط ، والابيض مدينة وسطية مثل كوستي وودمدني والخرطوم وامدرمان ..الخ. وفي الماضي كانت الطرق وعرة ووسائل المواصلات محدودة وعدد اللواري التى تستعمل في نقل البضائع والمواطنين كانت قليلة وتستغرق الرحلة زمناً طويلاً ويعاني الركاب معاناة اليمة وكانت الرحلة بالقطار من الخرطوم الى الابيض او بالعكس تستغرق قرابة يومين وكان القطار يتوقف في عدد من المحطات والسندات وكتب الاستاذ محمد المكي ابراهيم قصيدته قطار الغرب يصف الرحلة من الابيض للخرطوم وهو من ابناء مدينة الابيض وزمن الرحلة الطويل الممل جعل الكثيرين يعتقدون أن الابيض تقع في الغرب . والان اصبح الوصول من الخرطوم للابيض او بالعكس ومن الابيض لامدرمان أو بالعكس يستغرق ساعات قليلة وإذا كانت الزيارة قصيرة يمكن الذهاب والاياب في نفس اليوم أما الرحلة باللواري من الابيض للفاشر أو نيالا أو الجنينة فقد كانت في الماضي تستغرق اياما عديدة مرهقة ولذلك فان عدداً كبيرا من سكان الابيض في الماضي والحاضر لم يزوروا تلك المدن ومن يفعل فان ذلك يكون من اجل التجارة أو عند النقل الرسمي بأمر الوزارة او المصلحة أو الجهة الرسمية التى يعمل فيها الفرد وقد تكون هناك زيارات خاصة في إطار الاجتماعيات والمجاملات أو التواصل مع ذوي القربى ان كانوا موجودين هناك . وخلاصة القول إن ارتباطاتهم العملية والتجارية ومصالحهم مرتبطة بالمركز وارتباطهم اوثق بالعاصمة وبالوسط وقد تكون هناك عبارات وأوصاف جهوية تطلق ببراءة والمقصود الجانب الجغرافي ليس الا ولكن هناك اوصاف ومسميات تختلف منطلقات من يطلقونها مثل شرقاوي وغرباوي …الخ. وهي مسائل تحتاج لمعالجات مع توضيح الحقائق بلا تزييف .
والوطن شاسع وواسع مترامي الاطراف وكان التواصل بين اجزائه البعيدة عن بعضها جغرافياً فيه صعوبة لقلة عدد وسائل النقل والمواصلات البرية . وكانت السكك الحديدية محدودة ولا تصل لكل السودان . وكل منطقة لها تقاليدها وعاداتها وفنونها الشعبية وطريقة حياتها وسبل كسب عيشها وفقاً للمناخ والبيئة ومنهم الزراع ومنهم الرعاة وكافة المهن الاخرى ومنهم المستقرون ومنهم الرحل.
والبوستة والتلغراف كان وضعها افضل وكانت توجد تلفونات في مكاتب الدولة وعند التجار وكانت وسيلة اتاصلهم وتواصلهم مع غيرهم من التجار والمصدرين والموردين في داخل القطر وخارجه وتوجد ايضا عند بعض الاعيان ، وقامت الاذاعة في السودان لاول مرة في أوائل اربعينات القرن الماضي وكان بثها محدوداً وأخذ يتسع بالتدريج وخلال الثلاثين عاماً التى اعقبت قيام الاذاعة كان عدد الراديوهات قليلاً وتوجد في المقاهي وفي بعض الاندية وفي القرى والارياف كان عددها قليلاً وتوجد عند الاعيان وعند الشرائح المقتدرة في المجتمع ذات الدخل المادي الميسور وفي الخمسين عاماً التى تلت تلك الفترة إزداد عددها بمختلف الاحجام والاشكال بل ان اية جوال الآن فيه راديو واصبحت الاذاعة السودانية وكافة الاذاعات الاخرى مسموعة في كل ارجاء القطر وعلى نطاق واسع في اقطار وقارات العالم وكذلك يتم الاستماع للاذاعات الاجنبية .ومنذ سنوات طويلة كانت الاذاعة السودانية تعد وتبث برنامج في ربوع السودان وتقدم اغاني متنوعة من كل ربوع القطر بالعربي او باللهجات المحلية مع استعمال الآلات الموسيقية المحلية من رق وربابة وطمبور وكذلك قدمت منذ أمد بعيد حقيبة الفن وأقيمت في ستينات القرن الماضي فرقة قومية للفنون الشعبية ، وبدأ البث التجريبي للتلفزيون في 1962/1963م وكان البث في نطاق ضيق في البدايات الى أن تطور وبلغ من حيث البث والانتشار الواسع على مستوى الداخل والخارج هذه الدرجة المتقدمة والفضائيات والاذاعات السودانية يمكن ان تلعب دوراً كبيراً في تقوية النسيج الاجتماعي وتقوية رباط الوحدة الوطنية والميديا الحديثة يمكن ان تلعب ذات الدور القومي وهي سلاح ذو حدين فإما أن تؤدي بعض الممارسات السيئةوالنشر السالب لتمزيق النسيج الاجتماعي ويمكن أن تؤدي الممارسات القويمة والرشيدة لتقوية النسيج الوطني وتمتين اللحمة والوحدة بين السودانين .
والمدارس الثانوية القومية التى كانت تضم طلاباً من مختلف ارجاء القطر لعبت دوراً مقدراً في تقوية النسيج الوطني والترابط الاجتماعي بينهم مثل مدرسة حنتوب ومدرسة وادي سيدنا ومدرسة خور طقت والتجارة الثانوية والمعهد الفني والمعهد العلمي ومعهد بخت الرضا وفروعه وجامعة الخرطوم وغيرها من الجامعات . والجيش السوداني بتاريخه المجيد الابيض الناصع منذ أن كان قوة دفاع السودان هو الذي كان وما فتئ يحمي الارض والعرض ويعول عليه في تقوية النسيج الاجتماعي ولم الشمل وهو صمام الأمان للوحدة الوطنية .
The post صديق البادي يكتب:نحو وحدة وطنية ومجتمعية قوية تتجاوز الحواجز الجهوية الوهمية appeared first on الانتباهة أون لاين.
source https://alintibaha.net/online/92589/
تعليقات