الحكم المدني.. بمنظور العسكريين كيف يبدو؟

الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل

أعدها: رندا عبدالله

في وقت ينتظر فيه البعض ميلاد حكومة (هجين) ما بين المدنية والعسكرية، وذلك في اعقاب قرارات القائد الأعلى للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان الأخيرة، يتوقع مراقبون ألا يرضي هذا التكوين الشارع، لاعتبارات كثيرة في أولها عدم السماح بأية سيطرة عسكرية على أية حكومة مدنية قادمة، وعلى الرغم من حديث البرهان بعدم تدخله في اختيار الحكومة الجديدة التي سيترك أمرها لرئيس الوزراء بحسب ما قال، الا ان شبهات التدخل العسكري في الحكومة تبدو واضحة للعيان حتى قبل تشكيلها، مما جعل كثيرين يطلقون على قراراته مصطلح (انقلاب) أكثر من كونها قرارات لتصحيح المسار.

وفى خضم هذا الحراك المتعثر وتمترس المواقف بين البرهان وحمدوك، يطل تساؤل مشروع عن منظور العسكريين للحكومة المدنية من منطلقات سياسية وثقافية.
(١)
كيف ينظر العسكريون للحكم المدني؟ تساؤل يطرح نفسه في أعقاب الأزمة الكبيرة في المشهد السياسي وفض الشراكة بين المكونين العسكري والمدني، وعلى الرغم من أن كثيراً من العسكريين يعتبرون أن هذا الشكل من أشكال الحكم بيد رئيس الوزراء على أن يظل مجلس السيادة مجلساً شرفياً، الا انه وخلال تجربة الحكم اثبتت الممارسة عكس ذلك، وبحسب مصدر عسكرى لـ (الانتباهة) قدم رؤيته فى هذا الموضوع عن القوات المسلحة فى بنيتها التنظيمية والثقافية والثقافية والاجتماعية باعتبارها جزءاً من المجتمع السوداني، مؤكداً أنها كقوات تؤثر وتتأثر بما يدور في المجتمع حولها خاصة فى النواحي السياسية، ولذلك تتعامل مع الواقع السياسي باعتبار ان الضابط أو الجندى هو فرد في المنظومة الأمنية التى تتبع للقيادة السياسية، واضاف قائلاً: (العسكريون يؤمنون بالانتقالات السياسية والديمقراطية والمدنية، ويشاركون في الانتخابات مثلهم مثل بقية المواطنين، وبالتالي لديهم فهم عالٍ ومتقدم للحكم المدني)، واوضح في ذات المنحى أن مصطلح المدنية يدرس في الأكاديميات والكليات العسكرية ضمن العلوم الاستراتيجية والسياسية والاجتماعية والأمنية التى يتلقاها الضابط اثناء الدورات التدريبية للقوات المسلحة.
(٢)
وفى ذات الاثناء طرحت (الإنتباهة) موقف حادثة فض الاعتصام كمثال ودليل على تناقضات العسكريين لمفهوم المدنية، بجانب رفض البرهان تسليم رئاسة مجلس السيادة للمدنيين بحسب ما يقول المكون المدنى، لكن ذات المصدر العسكرى اكد لـ (الانتباهة) انه لا يمكن القياس على ردود الأفعال التى حدثت اثناء الحراكات السياسية بسبب الاستفزاز الذى يوجه للعسكريين من قبل المدنيين باعتبار ان هنالك مفردات وجدت مكانها في السياسة السودانية تستفز العسكريين، وذكر أن كلمة العسكر بين قوسين وهي مصطلح تاريخى في فترات خاصة بالتقليل من شأن القوات المسلحة، باعتبار أن كلمة (العسكر) هي كلمة للتقليل، ومصطلح آخر عسكرية ومدنية يعنى مقارنة بين العسكرية والمدنية، وهذه الأمور تخص النخب السياسية والعسكرية ولا تتنزل إلى قاعدة بهذا الشكل الذى يوجه استفزازاً مباشراً، وبالتالي يكون الرد من الأفراد باعتباره مقارنة بين المدني والعسكري، ولكن لا يقصد ان هنالك مفهوماً تقليدياً بان الحكم لا بد ان يكون عسكرياً، واضاف المصدر ان ما يصدر من استفزاز من أفراد أو أطفال أو عبارات ظهرت في الحراكات السابقة هذه لا علاقة لها بالتدريب، وإنما تدخل في دائرة السلوك من جانب الذى يصدر هذه الاستفزازات، وبالتالي الرد عليها طبيعي لمن يوجه لك إساءة شخصية، حسب قوله.
(٣)
وفي ما يبدو أن هذا الرد الأكاديمي من قبل المصدر العسكرى يمثل احلاماً وردية لا يراها الشارع فى تصرفات العسكريين تجاه الحكم المدنى، خاصة انه يرى انهم استولوا على السلطة بالدبابات، وان حاولوا تغليف الأمر بالتمسك بالوثيقة الدستورية المجنى عليها بحسب ما يرى مراقبون. وفي ذات الشأن يحمل المحامى حاتم الياس ما سماها دولة ما بعد الاستقلال وتأثير قوات دفاع السودان النظرة السالبة للمدنيين من قبل العسكريين. وذكر لـ (الانتباهة) انها ــ اي النظرة ــ قائمة على أساس انهم غير ملتزمين بقيود صارمة تحكم أعمالهم بعكس طريقة العسكرى فى النظام والانضباط، مشيراً الى إطلاق اسم عرين الأسود ومصنع الأبطال على الكلية الحربية بما يوحى انها تقوم بتخريج أشخاص أفضل من الآخرين فى المجتمع، كما ان الجيش نفسه فى الادبيات السودانية هو (الحارس مالنا ودمنا جيش الهنا) بحسب تعبيره.
وحمل الياس المدنيين المساهمة فى خلق هذه الصورة فى فترات سابقة لانهم عجزوا عن أن يديروا خلافاتهم السياسية وأن ينجزوا مشروعاً وطنياً فى محكات سياسية كثيرة، واضاف قائلاً: (ما يحدث أن قطاعاً يلجأ للجيش وحدث ذلك فى عبود ومايو والإنقاذ، حيث يوظفون الجيش لمصالحهم دائماً)، لكنه عاد واستبعد أن نكون هذه النظرة على الإطلاق، لجهة أن كبار الضباط فى الجيش قادمون من بيئات مختلفة، وان المكتسبات المعرفية والثقافية مختلفة، ومنهم من يفهم انه ينطلق من دور مهم فى دعم التحول المدنى الديمقراطي، كما أن منهم من يفترض أن الجيش هو السلطة القابضة التى تعرف مصلحة الناس، مما ادى لان يعيش الجيش دوراً أبوياً، حسب وصفه.
(٤)
وتكون المجلس السيادى بعد الاتفاق على الوثيقة الدستورية بجانب تشكيل حكومة الفترة الانتقالية برئاسة عبد الله حمدوك، وفي ذات الوقت تم تشكيل البرلمان عبر اجتماع مجلسي السيادة والوزراء، فيما لم يتم تشكيل المجلس التشريعى الذى نصت عليه الوثيقة الدستورية خلال فترة معينة، بجانب عدم تشكيل المحكمة الدستورية وعدد من مؤسسات الفترة الانتقالية، الامر الذى ادى لمزيد من تعقيدات المشهد السياسي، خاصة ان المكون العسكرى استطاع ان يستغل هذه التعقيدات لمصلحته للانقلاب على السلطة المدنية وفق كثيرين، بجانب استخدام الطوارئ لعدم وجود مرجعية دستورية يمكن ان يحتكم لها الطرفان، لكن حاتم الياس أكد لـ (الانتباهة) أن الانقلاب الاخير حدث لأن القوة التى تحتكر السلاح وعنف الدولة هي الجيش، منوهاً بأن الوضع الراهن يختلف عما سبق، مقراً بوجود ظلال النشأة العسكرية للجيش لكنه فى نفس الوقت مختلف عن كل الانقلابات السابقة، لسبب أساسي أن نظام البشير خلف جيشين واوجد جيشاً آخر مع الجيش السودانى، وأربك المواطن الذى كان يلجأ للجيش الواحد باعتبار انه المخلص، بينما الأشكال حالياً أن المطروح عدة جيوش، حتى انقلبت الآية وأصبح المدنيون هم ضمان الاستقرار اكثر من الجيش، وذكر ان حالة وجود عدة جيوش على مستوى السلطة تصبح حالة مخيفة وغير مأمونة العواقب على المواطن العادى، وبالتالى فإن الالتفاف الآن حول حمدوك هو التفاف حول الخيار المدنى الذى يشكل الطريق الآمن، ورهان على المضمون اكثر من انه رهان على حالة جيوش كثيرة تتباين مصالحها ولا تجمعها عقيدة عسكرية واحدة.
(٥)
وفي مقابل كل ما طرح يرى القيادي بحركة (حق) وعضو إعلان قوى الحرية والتغيير مجدى عبد القيوم فى الصراع بين المدنيين والعسكريين صراعاً ازلياً بطبيعة كل مؤسسة، حيث الضبط والالتزام بالتعليمات فى المؤسسة العسكرية، وبالتالى تتربى العقلية العسكرية على تنفيذ الأوامر بعكس المدنية التى تتعامل مع تعقيدات الواقع بتشابكاته. واوضح عبد القيوم في حديثه لـ (الانتباهة) ان هذا الخلاف طبيعى لاختلاف زاوية النظر التى تدخل فيها ايضاً التركيبة النفسية للعسكرى وزاوية النظر للسياسي، وقال: (إن هذه المسألة ترتبط بمحددات الشخصية فى كل العالم وليس في السودان فحسب).

The post الحكم المدني.. بمنظور العسكريين كيف يبدو؟ appeared first on الانتباهة أون لاين.



source https://alintibaha.net/online/92692/

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فيديو.. إنقاذ طفل سقط على قضبان قطار ولحظة فارقة بين الحياة والموت

تفاصيل قطع الطريق أمام البصات السفرية بين القضارف و ودمدني

تطبيق زيادات جديدة في أسعار الوقود بالسودان