أحمد يوسف التاي يكتب: صراع المخاوف والمصالح

الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل

(1)

هل ما يجري حالياً في السودان صراع بين دعاة مدنية الدولة وأنصار الشمولية العسكرية؟  وهل كان الانقلاب العسكري الذي نفذه قائد الجيش الفريق البرهان في الخامس والعشرين من اكتوبر ذا صلة بحسم الصراع بين المدنية والعسكرية؟ وهل من دواعي الانقلاب قطع الطريق أمام الطموحات الذاتية التي أظهرها بعض المدنيين في الانفراد بالحكم والتمكين لأحزابهم، أم جاء الانقلاب لتبديد مخاوف شخصية لبعض العسكريين من أية ملاحقات جنائية قد تحدث مستقبلاً بسبب فض الاعتصام ؟ …الإجابة عن الأسئلة أعلاه بشكل موضوعي تشكل مدخلاً مهماً لفهم طبيعة الانقلاب وأسبابه مما قد يرسم خطوطاً عريضة لوضع الحلول على نحو دقيق…

الفرقاء بطبيعة الحال يحاول كل طرف منهم التكريس لصورة ذهنية معينة يسوق إليها الناس ويتخندق حولها ويحتمي بها ويستمد منها القوة والتبرير مما يُبعد الناس عن الفهم الصحيح لأصل المشكلة، سيما وأن المشهد اليوم يبدو أكثر غموضاً تعقيداً وضبابيةً على نحو يضع الكثير من المتاريس التي تعيق الفهم الصحيح لطبيعة المشكلة، خاصةً وأن الجميع الآن يدافعون عن مدنية الدولة حتى الذين انقضوا على مظاهر المدنية يفعلون ذلك!!!…

(2)

الآن كل أطراف الصراع تتذرع بالدفاع عن مدنية الدولة وتتدثر بشعارات ثورة ديسمبر، حتى المكون العسكري الذي انقلب على نظيره المدني الآن يتبنى الثورة وتصحيح مسارها ويتعهد بحمايتها والسير بها نحو الانتخابات بنهاية الفترة الانتقالية وقد أعلن البرهان عن هذه الخطوط العريضة في كل خطاباته وتصريحاته، وبذلك يكون الفريق البرهان قد وضع بعناية عدداً من “الشبهات” ليدرأ عن نفسه (حد) سرقة الثورة والانقلاب، فبالرغم من أن الانقلاب بدا واضحاً في كل تفاصيله، إلا أن “شُبهات” التذرع بحماية الانتقال والمدنية والاصطفاف مع بعض “الثوار” أوجدت مساحة واسعة للجدل والمرافعة عن موقفه على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية، مما حفز بعض القوى السياسية للدفاع عن الانقلاب ووصفه بـ “الخطوة” الضرورية لتصحيح المسار… هذه الشبهات المصنوعة مجتمعةً أضعفت مشهد “الصراع بين المدنية والعسكرية”، لكن رغم كل ذلك تظل حقيقة الانقلاب عارية كما ولدتها أمها يراها الناس رأي العين…

(3)

الحديث عن أن خطوة البرهان جاءت لتصحيح المسار وقطع الطريق أمام طموحات بعض القوى الصغيرة في الهيمنة على السلطة، حديث تبدو حظوظه في الإقناع قليلة جداً لسبب جوهري وهو أن هذه القوى الصغيرة بدت هي الأقرب للمكون العسكري وممثلاً أقوى للشراكة معه، وكان بالإمكان أن تتمدد علاقتها مع المكون العسكري بشكل أكبر وتحقق كثيراً من المكاسب الحزبية والشخصية دون الحاجة إلى قطع الطريق أمامها بانقلاب عسكري، طالما أن العلاقة بين الطرفين كانت سمناً على عسل، ولو كان ذلك هو السبب لما استمرت الشراكة عامين كاملين… إذن هناك ثمة أسباب أخرى أقوى …ماهي..؟؟؟

(4)

بعد فض الاعتصام أشارت كثير من أصابع الاتهام إلى المكون العسكري، خاصة عقب تصريحات الفريق الكباشي (حدث ما حدث)، وطبقاً لذلك اتجهت نقمة الثوار وأسر الشهداء وغضبتهم العارمة نحو المكون العسكري وتلك القوى الصغيرة المقربة منه والتي كانت تنعم معه بشهر عسل الشراكة وتبادل الابتسامات “الوضيئة”، مما شكل جفوة بين تلك القوى والثوار وأسر الشهداء وبدأ مسلسل تخوين تلك القوى بشكل علني، مما دفعها إلى إظهار مواقف عنترية لاسترضاء الثوار بالهجوم على الشركاء العسكريين، وإخراج الخلاف للعلن، وقد أثارت تلك المواقف المصنوعة لاسترضاء الثوار والتغطية على التقصير في حق الشهداء والمفقودين والجرحى ، أثارت الكثير من مخاوف العسكر خاصة الطرق على الاتهام بفض الاعتصام والتلويح بمحكمة الجنايات الدولية…

(5)

وتأسيساً على النقاط والمعطيات أعلاه فإن الأسباب التي تبدو الأقوى في نظر كثير من المراقبين والمحللين والتي أدت إلى نتائج الأزمة الحالية، تتعلق بصراع المخاوف والمصالح.. مخاوف العسكر، ومصالح القوى الصغيرة التي سبقت الإشارة إليها  …فإثارة مخاوف الشريك العسكري بالملاحقة الجنائية في ظل تصاعد التشاكس والملاسنات والحرب الكلامية على الشاكلة التي شاهدناها كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، ومصالح القوى التي رأت أن البقاء على الكراسي لن يكون إلا باسترضاء الثوار وأسر الشهداء بتلك الطريقة التي تفتقد الحكمة والحنكة والتي أشرنا إليها…… والكيف معلوم والسؤال عنه بدعة…  اللهم هذا قسمي فيما أملك..

نبضة أخيرة:

ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق انه يراك في كل حين.

The post أحمد يوسف التاي يكتب: صراع المخاوف والمصالح appeared first on الانتباهة أون لاين.



source https://alintibaha.net/online/92587/

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فيديو.. إنقاذ طفل سقط على قضبان قطار ولحظة فارقة بين الحياة والموت

تفاصيل قطع الطريق أمام البصات السفرية بين القضارف و ودمدني

تطبيق زيادات جديدة في أسعار الوقود بالسودان